الباحث القرآني

وقوله: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن شئتَ جعلتَ "وتكتموا" فى موضع جَزْم؛ تريد به: ولا تلبِسوا الحقَّ بالباطل ولا تكتموا الحقّ، فتُلقى "لا" لمجيئها فى أوّل الكلام. وفى قراءة أُبىٍّ: "وَلاَ تَكُونُوا أَوّلَ كَافِرٍ بِهِ وَتَشْتَرُوا بِآيَاتِى ثَمَناً قَلِيلاً" فهذا دليلٌ على أنّ الجزم فى قوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ مستقيمٌ صوابٌ، ومثله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلى الْحُكّامِ﴾ وكذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيِنَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وإنْ شئتَ جعلتَ هذه الأحرُفَ المعطوفَة بالواو نصباً على ما يقولُ النحويّون من الصَّرْف؛ فإن قلتَ: وما الصَّرْف؟ قلت: أن تأتى بالواو معطوفةً علىكلامٍ فى أوّلِهِ حادثةٌ لا تستقيمُ إعادتُها على ما عُطِف عليها، فإذا كان كذلك فهو الصَّرْفُ؛ كقول الشاعر: لاتَنْهَ عنْ خُلُقٍ وتأتِىَ مِثْلُهُ * عارٌعليْكَ إذا فَعلتَ عظِيمُ ألا ترى أنه لا يجوز إعادة "لا" فى "تأتى مثله" فلذلك سُمّى صَرْفاً إذْ كان مَعطوفاً ولم يستَقم أن يُعاد فيه الحادث الذى قبلَه. ومِثلُه من الأسماء التى نصبتها العربُ وهى معطوفة على مرفوع قولهم: لَوْ تُركتَ والأسدَ لأكلَك، ولَوْ خُلِّيت ورأيَك لَضَلَلْتَ. لمَّا لم يحسن فى الثانى أن تقول: لو تُركت وتُرك رأيُك لضللت؛ تهّببوا أن يعطِفوا حرفاً لا يستَقيمُ فيه ما حََدَثَ فى الذى قبلَه. قال: فإنّ العرب تجيزُ الرّفع؛ لو تُرك عبدُالله والأسدُ لأكله، فهل يجوز فى الأفاعيل التى نُصِبت بالواو على الصَّرْف أن تكون مردودة على ما قبلها وفيها معنى الصَّرْف؟ قلت: نعم؛ العرب تقول: لستُ لأبِى إِنْ لم أقتُلْك أو تذهبْ نفسى، ويقولون: والله لأضربنّك أو تسبقَنِّى فى الأرض، فهذا مردودٌ على أوّل الكلام، ومعناه الصَّرْف؛ لأنهّ لا يجوز على الثانى إعادة الجزم بلم، ولا إعادة اليمين على والله لتسبقَنِّى، فتجد ذلك إذا امتحنتَ الكلام. والصَّرْف فى غير "لا" كثير إلا أنا أخّرنا ذكره حتى تأتى مواضعُه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.