الباحث القرآني

وأما قوله: ﴿وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ فإن الفوم فيما ذكر لغةٌ قديمة (وهى) الحِنْطَة والخُبْز جميعا قد ذُكِرا. قال بعضهم: سمعنا (العربَ من) أهل هذه اللغة يقولون: فَوِّموا لنا بالتشديد لا غير، يريدون اختبزوا وهى فى قراءة عبدالله "وَثُومِهَا" بالثاء، فكأنّه أشبهُ المعنيين بالصّواب؛ لأنّه مع ما يشاكله: من العَدَس والبَصَل وشِبْهه. والعرب تُبدل الفاء بالثَّاء فيقولون: جَدَثٌ وجَدَفٌ، ووقَعوا فى عاثُور شَرٍّ وعافُور شرٍّ، والأَثاثىّ والأَثافىّ. وسمعت كثيرا مِن بنى أسد يسمِّى (المَغافير المغاثير). وقوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ أى الذى هو أقرب، من الدُّنُوِّ، ويقال من الدَّناءَة. والعرب تقول: إنه لَدنىٌّ [ولا يهمزون] يُدَنِّى فى الأمور أى يتَّبِع خَسيسَها وأصاغرها. وقد كان زُهير الفُرْقُبى يَهْمِز: "أَتَسْتَبْدِلونَ الّذِى هُوَ أدْنَأ بِالّذِى هو خيرٌ" ولم نر العرب تهمزُ أَدْنَى إذا كان من الخِسّة، وهم فى ذلك يقولون إنه لَدَانِئٌ خَبِيثٌ [إذا كان ماجنا] فيهمزون. وأنشدنى بعض بنى كلاب: باسِلَةُ الوَقْعِ سَرَابِيلُها * بِيضٌ إِلى دانِئِها الظَّاهِرِ يعنى الدروع على خاصتها - يعنى الكتيبة - إلى الخسيس منها، فقال: دانئها يريد الخسيس. وقد كنا نسمع المشْيَخَة يقولون: ما كنتَ دانِئاً ولقد دَناتَ، والعرب تترك الهمزة. ولا أراهم رَوَوْه إلاّ وقد سَمِعوه. وقوله: ﴿ٱهْبِطُواْ مِصْراً﴾ كتبت بالألف، وأسماءُ البُلدان لا تنصرف خَفَّت أو ثَقُلت، وأسماء النساء إذا خَفَّ منها شئٌ جرى إذا كان على ثلاثة أحرْفٍ وَأَوْسَطُها ساكنٌ مثلُ دَعْدٍ وهِنْد وجُمْل. وإنما انصرفت إذا سمّى بها النِّساء؛ لأنها تُردَّد وتَكثُر بها التّس‍مية فتخف لكثرتها، واسماء البلدان لا تكاد تعود. فإن شئت جعلت الألف التى فى"مِصْرَا" ألفا يُوقَفُ عليها، فإذا وصلتَ لم تنوِّن، كما كتبوا "سَلاَسِلاً" و "قَوَارِيراً" بالألف، وأكثر القراء على ترك الإجراء فيهما. وإن شئت جعلت "مِصْرَ" غير المصر التى تُعرَف، يريد اهبطوا مِصراً من الأمْصار، فإن الذى سألتم لا يكون إلا فى القُرَى والأمصار. والوجه الأوّل أحبّ إلىّ؛ لأنها فى قراءة عبدالله "اهْبِطوا مِصْرَ" بغير ألف، وفى قراءة أُبَىًّ: "اهْبِطُوا فَإنّ لَكُمْ ما سَأَلْتُم واسْكُنُوا مِصْرَ" وتصديق ذلك أنها فى سورة يوسف بغير ألف: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللّهُ آمِنِينَ﴾. وقال الأعمش وسئل عنها فقال: هى مصر التى عليها صالح بن على‍ّ.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.