الباحث القرآني

وقوله: ﴿لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ﴾ والعَوانُ ليست بنَعْتٍ للبِكْرِ؛ لأنها ليست بهَرِمَة ولا شابَّة؛ انقطع الكلام عند قوله: ﴿وَلاَ بِكْرٌ﴾ ثم استأنف فقال: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ﴾ والعَوان يقال منه قد عوَّنَت. والفارِضُ: قد فَرَضَت، وبعضهم: قد فَرُضَت (وأما البكر فلم) نسمع فيها بفِعْل. والبِكر يُكْسر أوّلها إذا كانت بِكرْا من النِّساء. والبَكْر مفتوح أوّلَه من بِكَارَة الإبل. ثم قال "بَيْنَ ذَلِكَ" و "بَيْن" لا تصلح إلاّ مع اسمين فما زاد، وإنمّا صلحت مع "ذلك" وحْدَه؛ لأنّه فى مذهب اثْنيْن، والفعلان قد يُجمعان بـ"ذلك" و "ذاك"؛ ألا ترى أنّك تقول: أظنُّ زيدا أخاك، وكان زيدٌ أخاك، فلا بدّ لكان من شيْئَين، ولا بدّ لأظن من شيئين، ثم يجوز أن تقول: قد كان ذاك، وأظنُّ ذلك. وإنما المعنى فى الاسمين اللذين ضَمَّهما ذلك: بين الهَرم والشَّباب. ولو قال فى الكلام: بَيْنَ هاتَيْن، أو بين تَيْنِك، يريد الفارِضَ والبِكْرَ كان صوابا، ولو أعيد ذكرهما (لم يظهر إلا بتثنية)؛ لأنهما اسمان ليسا بفِعْلين، وأنت تقول فى الأفعال فتوحِّد فعلَهما بعدها. فتقول: إِقْبالُك وإِدْبارُك يَشُقُّ علىّ، ولا تقول: أخوك وأبوك يزورُنِى. ومما يجوز أن يقع عليه "بَيْن" وهو واحدٌ فى اللّفظ مما يؤدّى عن الاثنين فما زاد قوله: ﴿لاَنُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ ولا يجوز: لا نفرق بين رجل منهم؛ لأنّ أحدا لا يُثَنّى كما يثنى الرجل ويُجَمع، فإن شئت جعلت أحدا فى تأويل اثنين، وإن شئت فى تأويل أكثر؛ من ذلك قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ وتقول: بَيْنَ أيِّهِم الْمَالُ؟ وبَيْنَ مَنْ قُسِم المالُ؟ فتجرى "مَن" و "أَىُّ" مجرى أحد، لأنّهما قد يكونان لواحد ولجمع.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.