الباحث القرآني

وقوله: ﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ وُضِعت ﴿بَلَى﴾ لكل إقرار فى أوّله حَجْد، ووُضِعت "نَعَم" للاستفهام الذى لا حَجْدَ فيه، فـ"بلى" بمنزلة "نَعَمْ" إلا أنها لا تكون إلاّ لمَا فى أوّله حَجْد؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حقاً قَالُوا نَعَمْ﴾ فـ"بلى" لا تصلح فى هذا الموضع. وأما الحجد فقوله: ﴿أَلَمْ يَِِِأتِِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ ولا تصلح ها هنا "نَعَمْ" أداة؛ وذلك أن الاستفهام يحتاج إلى جواب بـ "نَعَمْ" و"لا" ما لم يكن فيه حَجْدٌ، فإذا دخل الحجدُ فى الاستفهام لم يستقم أن تقول فيه "نَعَمْ" فتكونُ كأنك مقرٌّ بالحجد وبالفعل الذى بعدَه؛ ألا ترى أنّك لو قلتَ لقائل قال لك: أما لك مالٌ؟ فلو قلتَ "نعم" كنتَ مقرّاً بالكلمة بطَرْح الاستفهام وحدَه، كأنك قلت "نعم" مالى مالٌ، فأرادوا أن يرجعوا عن الحجد ويُقرّوا بما بعده فاختاروا "بَلَى" لأنّ أصلها كان رجوعا مَحْضاً عن الحجد إذا قالوا: ما قال عبدالله بل زيدٌ، فكانت "بَلْ" كلمة عَطْف ورُجوع لا يصلح الوقوف عليها، فزادوا فيها ألفا يصلح فيها الوقوف عليه، ويكون رجوعا عن الحجد فقط، وإقرارا بالفعل الذى بعد الحجد، فقالوا: "بلى"، فدلّت على معنى الإقرار والإنعام، ودل لفظ "بل" على الرجوع عن الحجد فقط.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.