الباحث القرآني

وقوله: ﴿وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾ يريد سِواه، وذلك كثيرٌ فى العربية أن يتكلّم الرجلُ بالكلام الحسن فيقول السّامع: ليس وراء هذا الكلام شىءٌ، أى ليس عنده شىءٌ سواه. وقوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ يقول القائل: إنما "تقتلون" للمستقبل فكيف قال: "مِن قَبْلُ"؟ ونحن لا نجيز فى الكلام أنا أضربُك أمسِ، وذلك جائز إذا أردتَ بتفعلون الماضى، ألا ترى أنّك تعنِّف الرجلَ بما سلف من فعله فتقول: وَيْحَك لِمَ تَكذب! لِم تُبغِّض نفسك إلى الناس! ومثله قول الله: ﴿وَاتَّبَعْوا ما تَتْلُو الشَّياطينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾. ولم يقل ما تَلَت الشياطين، وذلك عربىّ كثير فى الكلام؛ أنشدنى بعضُ العرب: إذا ما انتَسَبْنا لم تَلِدْنى لئِيمةٌ * ولم تَجِدِى مِن أَنْ تُقِرِّى بها بُدَّا فالجزاء للمستقبل، والوِلادة كلها قد مضت، وذلك أن المعنى معروفٌ؛ ومثله فى الكلام: إذا نظرت فى سِيرِ عمر رحمه الله لم يُسِئ؛ المعنى لم تجده أساء؛ فلما كان أمرُ عمر لا يشك فى مضيّه لم يقع فى الوهم أنه مستقبل؛ فلذلك صلحت "مِنْ قَبْلُ". مع قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ وليس الذين خوطبوا بالقتل هم القتلة، إنما قتل الأنبياءَ أسلافُهم الذين مَضَوا فتولَّوهم على ذلك ورَضُوا به فنُسِب القتلُ إليهم.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.