الباحث القرآني

وقوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ رُدّ يَفعلون على فعلوا لأن معناهما كالوَاحدِ الذى وغير الذى. ولو قيلَ: إن الذينَ كفروا وصَدُّوا لم يكن فيهَا ما يُسأل عنه. وردُّك يَفْعلَون على فَعَلوا لأنك أردت إن الذين كفروا يصّدونَ بكفرهم. وإدخالُك الواو كقول ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْترِفُوا﴾ أضمرت فعلاً فى الواو مع الصدّ كما أضمرته هَا هنا. وإن شئت قلت: الصدّ منهم كالدائم فاختير لهم يَفْعَلُونَ كأنك قلت: إن الذين كفَروا ومِن شأنهم الصَدْ. ومثله ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرونَ بآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النبيّينَ﴾ وفى قراءة عبدالله ﴿وَقَاتَلُوا الذينَ يأمرونَ بالقِسْطِ﴾ وقال ﴿الذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ مثل ذلك.ومثله فى الأحزاب فى قرءاة عبدالله (الذِينَ بَلَّغُوا رِسالات الله وَيَخْشَوْنَه) فلا بأسُ أن تردّ فَعَل على يفعل كما قال ﴿وَقَاتلُوا الذِينَ يأمرونَ﴾، وأن تردّ يفعل على فعَل، كَمَا قَالَ ﴿إِنَّ الذينَ كفروا وَيَصُدّون عن سبيل الله﴾. وقوله: ﴿سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ﴾ فالعاكف مَن كان من أهْل مكَّة. والبادِ مَن نزع إليه بحجّ أو عمرة. وقد اجتمع القراء عَلى رفع (سواء) هَا هُنَا. وأَما قوله 121 ا فى الشريعة: ﴿سواء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ فقد نصبها الأعمش وحده، ورفعها سَائر القراء. فمَن نَصَبَ أوقع عليه ﴿جَعَلناه﴾ ومن رفع جَعَل الفعل واقعاً عَلى الهَاء واللام التى فى الناس، ثم اسْتانف فقال: ﴿سَوَاءٌ العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾ ومن شأن العرب أن يستأنفوا بسَواء إذا جاءت بعد حرف قد تمَّ به الكلام فيقولون: مررت برجل سواءٌ عنده الخيرُ والشرّ. والخفض جَائز. وإنما اختاروا الرفع لأن (سواء) فى مذهب واحد، كأنك قلت: مررت على رجل واحدٌ عنده الخير والشرّ. ومَن خفض أراد: معتدلٍ عنده الخير والشرّ . ولا يقولون: مررت على رجل معتدلٌ عنده الخير والشر لأن (معتدل) فعل مصرَّح، وسواء فى مذهب مصدر. فإخراجهم إيّاه إلى الفعل كإخراجهم مررت برجل حَسْبِك من رجل إلى الفعل. وقوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ دخلت الباء فى (إلحاد) لأن تأويله: ومن يرد بأن يلحد فيه بظلم. ودخول البَاء فى (أن) أسهل منه فى الإلحاد وما أشبهه؛ لأن (أن) تضمَر الخوافض معها كثيراً، وتكون كالشرط فاحتملتْ دخولَ الخافض وخروجه؛ لأن الإعراب لا يتبيَّن فيهَا، وقلّ فى المصادِرِ؛ لتبيُّن الرفع والخفض فيها. أنشدنى أبو الجَرّاح: فلمَّا رَجَتْ بالشّرب هَزّ لها العصا * شَحِيح له عند الإزاء نَهِيم (قال الفراء: نهِيم من الصَّوت). وقال امرؤ القيس: ألا هل أتاها والحوادث جَمَّة * بأن امرأ القيس بنَ تَمْلِك بَيْقرا فأدخل الباء على (أنّ) وهى فى موضع رَفع؛ كما أدخلها على (إلحاد بظلم) وهو فى موضع نصب. وقد أدخلوها عَلَى (مَا) إذا أرادوا بها المصدر، يعنى البَاء. وقال قيس بن زُهَيرٍ: ألم يأتيك والأنباءُ تنمِى * بما لاقت لبونُ بنى زيادِ وهو فى (ما) أقل منه فى (أن) لأنّ (أن) أقل شَبَهَاً بالأسماء من (مَا). وسَمعت أَعرابيّاً من ربيعة وسألته عن شىء فقال: أرجو بذاكَ. يريد: أَرْجُو ذاكَ. وقد قرأ بعض القراء (وَمَن تَرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ) من الورود، كأنه أراد: مَن وَرَده أو تورَّده. ولست أشتهيهَا، لأنّ (وردت) يطلب الاسم، ألاّ ترى أنكَ تقول: وَرَدنا مكّة ولا تقول: وردنا فى مكّة. وهو جائز تريد النزولَ. وقد تجوز فى لغة الطائيّين لأنهم يقولون: رغبت فيك، يريدون: رغبت بك. وأنشدنى بعضهم فى بنت له: وأرغبُ فيهَا عن لَقِيطٍ ورَهْطه * ولكننى عن سِنْبِسٍ لست أرغب (يعنى بنته).
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.