الباحث القرآني

وقوله: ﴿مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ إنما جرى ذكر هذا لِرجل كان يقال له جَمِيل بن أوس ويكنى أبا معمرٍ. وكان حَفِظاً للحديث كثيرهُ، فكان أهل مكّة يقولون: له قلبان وعقَلان من حفظه فانهزم يوم بدر، فمَرّ بأبى سُفيان وهو فى العِير، فقال: مَا حالُ الناس يا أبا معمرٍ؟ قال: بين مقتولٍ وهَارب. قال: فما بَالُ إحدى نعليكَ فى رجلك والأخرى فى يدك؟ قال: لقد ظننت أنهما جميعاً فى رِجلىّ؛ فعلم كذبهم فى قولهم: له قلبانِ. ثم ضم إليه ﴿وَمَا جَعَلَ﴾. وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أى هذا باطل؛ كما أن قولكم فى جَميل باطل. إذا قال الرجل: امرأته عليه كظهر أُمّه فليسَ كذلكَ، وفيه من الكفّارة مَا جَعَل الله. وقوله ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ خفيفة قرأهَا يحيى بن وثّاب. وقرأها الحسن (تُظَهِّرُونَ) مشدّدةً بغير ألفٍ. وقرأها أهل المدينة (تَظَّهَّرون) بنصب التاء، وكلّ صَوَاب معناه متقارِب العرب تقول: عَقّبت وعاقبت، ﴿وَعَقَّدتُمُ الأيمَانَ﴾ و ﴿عَاقَدْتُمْ﴾ ﴿ولا تُصعِّرْ خَدَّكَ﴾ و﴿لا تُصَاعِرْ﴾ اللهمّ لا تُرَاءِبى، وتُرأبِّى. وقد قرأ بذلك قولم فقالُوا: ﴿يُرَاءُونَ﴾ و ﴿يُرَءُّون﴾ مثل يُرَعُّونَ. وقد قرأ بعضهم ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ وهو وجه جَيّد لا أعرف إسْناده. وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾. كان أهل الجاهليّة إذا أعجب أحدَهم جَلَدُ الرجل وظُرْفُه ضمَّه إلى نفسِهِ، وَجَعَل له مثلَ نصيب ذَكَر من ولده من ميراثه. وكانوا يُنسبون إليهم، فيقال: فلان بن فلان للذى أقطعه إليه. فقال الله ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾. وهو بَاطل ﴿وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ﴾ غير مَا قلتم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.