الباحث القرآني

قوله: ﴿وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ (أَنْ) فى موضع رفع؛ كقولك: لا يحلّ لَكَ النِّسَاءُ والاستبدال بهنَّ. وقد اجتمعت القراء على ﴿لاَّ يَحِلُّ﴾ باليَاء. وذلكَ أنَّ المْعنَى: لا يحلّ لك شىء من النساء، فلذلك اختير تذكير الفعل. ولو كان المعنى للنساء جَميعاً لكان التّأنيث أجود فى العربيّة. والتاء جَائزة لظهور النساء بغير مِنْ. وقوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ فغير منصوبة لأنها نعت للقوم، وهم معرفة و (غير) نكرة فنُصبت على الفعل؛ كقوله ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إلاَّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى الصَّيْدِ﴾ ولو خفضت ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ كَانَ صَوَاباً؛ لأنَّ قبلَها ﴿طعامٍ﴾ وهو نكرة، فتجعل فعلهم تابعاً للطعام؛ لرجوع ذكر الطعام فى (إنَاهُ) كَمَا تقول العرب: رأيت زيداً مع امرأة محسنٍ إليها، ومحسناً إليها. فمن قال: ﴿محسناً﴾ جعله من صفة زيد، ومَن خفضه فكأنه قال: رأيت زيداً مع التى يُحْسن إليها. فإذا صَارت الصلة للنكرة أتبعتها، وإن كان فعلاً لغيرهَا. وقد قال الأعشى: فقلت له هذه هَاتِهَا * فجاء بأدماءَ مقتَادِهَا فجعل المقتاد تابعَا لإعراب الأدماء؛ لأنه بمنزلة قولك: لأدماء يقتادهَا؛ فخفضته لأنه صلة لها. وقد ينشد بأدماءِ مقتادِهَا تخفض الأدماء لإضافتها إلى المقتاد. ومعناه: بملء يَدىْ من اقتادها ومثله فى العربية أن تقول: إذا دعوتَ زيداً فقد استغثت بزيدِ مستغِيثِه. فمعنى زيد مدح أى أنه كافى مسْتغيثِه. ولا يجوز أن تخفض على مثل قولك: مررت على رجل حَسَنِ وجهه؛ لأن هذا لا يصلح حتى تسقط راجع ذكر الأول فتقول: حسن الوجه. وخطأ أن تقول: مررت على امرأة حسنِة وجهِها وحسنِة الوجه صواب. وقوله: ﴿وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ﴾ فى موضع خفض تُتبعه الناظِرين؛ كما تقول: كنت غير قائم ولا قاعدٍ؛ وكقولك للوصىّ: كُلْ من مال اليتيم بالمعروف غيرَ متأثّل مالا، ولا واقٍ مالكَ بماله. ولو جعلت المستأنسينَ فى موضع نصب تتوهَّم أن تُتبعهُ بغير لمّا أن حُلْت بينهما بكلام. وكذلك كلّ معنىً احْتمل وجهين ثم فرّقت بينهما بكلام جَاز أن يكون الآخر معرباً بخلاف الأوَّل. من ذلك قولكَ: ما أنت بمحسن إلى مَن أحسن إليك لا مُجْمِلاً، تنصب المُجْمِل وتخفضه: الخفضُ عَلَى إتباعه المحسن والنصبُ أن تتوهم أنك قلت: ما أنت مُحسناً. وأنشدنى بعض العرب: ولستُ بذى نَيْربٍ فى الصديق * ومنَّاعَ خَيرٍ وسبّابهَا ولا من إذا كان فى جانب * أضاع العشيرة واغتابها وأنشدنى أبو القماقم: أجِدُّكَ لستَ الدهرَ رائىَ رامةٍ * ولا عاقلٍِ إلاّ وأنت جَنيب ولا مصعدٍ فى المُصْعدين لمَنْعِجٍ * ولا هابطاً ما عشت هَضْب شَطِيب وينشد هذا البيت: مُعَاوِىَ إننا بَشَرٌ فَأَسجحْ * فلسنا بالجبالِ ولا الحديدَا وينشد (الحديدا) خفضاً ونصباً. وأكثر ما سمعته بالخفض. ويكون نصب المسْتأنسينَ على فعْلٍ مضمرٍ، كأنه قال: فادخلوا غير مستأنسينَ. ويكون مع الواو ضميرُ دخولٍ؛ كما تقول: قم ومطيعاً لأبيك. والمعنى فى تفسير الآية أنّ المسْلمينَ كانوا يدخلون على النبىّ عليه السلام فى وقت الغَدَاء، فإذا طعِمُوا أطالوا الجلوس، وسَألوا أزواجَهُ الحوائج. فاشتدّ ذلك علىالنبىّ صَلى الله عليه وسلم، حَتّى أنزل الله هذه الآية، فتكلّم فى ذلكَ بعضُ الناس، وقال: أننهى أن ندخل عَلَى بناتِ عَمِّنَا إلاّ بإذنٍ، أو من وَراء حجَاب. لئِنَ مَات محمد لأتَزوّجَنّ بعضهنّ. فقام الآباء أبو بكرٍ وذووه، فقالوا: يا رسول الله، ونحن أيضاً لا ندخل عليهنّ إلاّ بإذنٍ، ولا نسألهنّ الحوائج إلاّ من وراء حجاب، فأنزل الله ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فى آبائِهنّ﴾ إلى آخر الآية. وأنزل فىالتزويج ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبَداً﴾.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.