الباحث القرآني

وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾ ﴿إِذْ دَخَلُواْ﴾ قد يجاء بإذ مَرَّتين، (وَقَد) يكون مَعْنَاهمَا كالواحد؛ كقولكَ: ضَربتك إذْ دخلت عَلىَّ إذ اجترأت، فيكون الدخول هو الاجتراء. ويكون أن تجعَل أحدهمَا عَلى مذهَب لمَّا، فكأنه قال: ﴿إذ تسَوَّرُوا المحرابَ لَمَّا دَخَلوا﴾. إن شئت جَعَلت لَمّا فى الأوَّل. فإذا كانت لَمّا أوَّلاً وآخِراً فهى بعد صَاحبتِهَا؛ كما تقول: أعطيته لمَّا سَألنى. فالسؤال. قبل الإعْطَاء فى تقدّمه وتأخّره. وقوله: ﴿خَصْمَانِ﴾ رفعته بإضمار (نحن خصْمَان) والعرب تضمر للمتكلّم والمكلَّم المخاطب ما يرفع فِعْله. ولا يكادون يفعلون ذلك بغير المخاطَب أوالمتكلّم. منْ ذلكَ أن تقول للرَّجل: أذاهب، أو أنْ يقول المتكلم: وَاصلكم إن شاء الله ومحسن إليكم. وذلكَ أن المتكلّم والمكلَّم حاضِران، فتُعرف مَعْنى أسْمائهمَا إذا تُركت. وأكثره فى الاسْتفهَام؛ يقولونَ: أجَادّ، أمنطلق. وقد يكون فى غير الاسْتفهام. فقوله (خَصْمَان) من ذلك. وقال الشاعر: وَقولا إذا جاوزتمَا أرض عَامرٍ * وجاوزتما الحيَّيْنِ نَهداً وخَثْعما نَزيعَانِ من جَرْم بن زَبَّان إنهم * أبوا أن يميرُوا فى الهزاهز مِحْجَما وقال الآخر: تقول ابنَة الكَعبىّ يوم لقيتُها * أمُنْطلق فى الجيش أم متثاقِلُ وقد جَاء فى الآثار للراجع من سَفر: تائبونَ آئبونَ، لربنا حامدونَ. وقال: من أمثال العرب: مُحسنَة فهِيلى. قال الفراء: جاء ضيف إلى امرأة ومَعه جِرابُ دقيق، فأقبلت تأخذ من جرابه لنفسهَا، فلَما أقبَل أخَذت من جِرابهَا إلى جرابه. فقال: ما تصنعين؟ قالت: أزيدك منْ دقيقى. قالك محسنة فهيلى. أى أَلقِى. وجَاء فى الآثار: مَن أعانَ على قتل مؤمنٍ بشَطر كلمة جَاء يوم القيامَة مكتوباً بَيْنَ عينَيْه: يائس من رحمة الله. وكلّ هذا بضمير ما أنباتك به. ولو جاء فى الكتاب: خصْمَين بغى بعضُنَا لكان صَوَاباً بضمير أَتيناك خصمين، جئناك خَصْمين فلا تَخَفنا. ومثله قول الشاعر: وقالت أَلا يا اسمع نِعظك بخُطَّةٍ * فقلت سَميعاً فانطقى وأَصيبى 163 ا أى سميعاً أَسمعُ منكَ، أو سميعاً وعَظْتِ. والرفع فيه جائز على الوجوه الاوَل. وقوله ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾ يقول: ولا تَجُر: وقد يقول بعض العرب: شططتَ عَلىّ فى السَّوم، واكثر الكلام أَشططت. فلو قرأ قارئ ﴿وَلاَ تَشْطِطْ﴾ كأنه يذهَبُ له إلى مَعْنى التباعد و﴿تَشْطُطْ﴾ أيضاً. العرب تقول: شطَّت الدار فهى تشِطّ وتَشُطّ. وقوله ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ إلى قَصْد الصراط. وهذا ممَّا تدخل فيه (إلى) وتخرج منه. قال الله ﴿اهدِنَا الصراطَ المستقيم﴾ وقال ﴿وهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وقال ﴿إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ ولم يقل (إلى) فحذفت إلى من كل هذا. ثم قال فى موضع آخر ﴿أَفَمَنْ يَهْدِى إلى الحَقّ﴾ وقال ﴿يَهْدِى إلىَ الحَقِّ وَإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ويقال هديتك للحق وإليهِ قال الله ﴿الذِى هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لنَهْتَدِى﴾ وكأن قوله ﴿اهدنَا الصراط﴾ أعلمنا الصراط، وكأن قوله ﴿اهدنا إلى الصّراط﴾ أرشِدنا إليْه والله أعلم بذلكَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.