الباحث القرآني

وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱللَّيْلِ﴾ قرأها يحيى بن وَثّاب بالتخفيف. وذُكر ذلك عن نافع وحمزة وفسّروهَا يريد: يا من هو قانت. وهو وجه حسَن، العرب تدعو بألف، كما يدعون بيَا. فيقولون: يا زيدُ أقبل، وأَزيدُ أقبل. قال الشاعر: أبنى لبُيََنْىَ لستم بيـدٍ * إلاّ يدٍ ليسَت لها عَضُد وقال الآخر: أضمر بن ضمـرةَ ماذا ذكَرْ * تَ مِن صِرْمة أُخذت بالمُرارِ وهو كثير فى الشعر فيكون المعنى مردوداً بالدعَاء كالمنسُوق، لأنه ذكر الناسىَ الكافر، ثم قَصّ قصة الصالح بالنداء، كما تقول فى الكلام: فلان لا يصَلّى ولا يَصُوم فيا من يصَلّى ويصوم أبشر فهذا هو مَعناه. والله أعْلَم. وقد تكون الألِف استفهاماً بتأويل أم لأن العرب قد تضع (أمْ) فى موضع الألِف إذا سَبَقها كلام، قد وصفت منْ ذلك ما يُكتفى به. فيكون المعْنى أمَن هو قانت (خفيف) كالأوّل الذى ذُكر بالنسيان والكفر. ومن قرأها بالتشديد فإنه يريد معنى الألِف. وهوالوجه: أن تجعَل أم إذا كانت مردودة عَلَى مَعْنىً قد سَبَق قلتها بأم. وقد قرأ بها الحسن وعاصم وأبو جعفر المدنىّ. يريدون: أَمْ مَن. والعرب تقول: كان هَذَا حين قلت: أأخوك أم الذئب. تقال هذه الكلمة بعد المغرب إذا رأيت الشخص فلم تَدْر ما هو. ومنه قولك: أَفَتِلك أم وَحْشِيّة، وقولك أذلِك أم جَأْب يطارد أُتُنا. فإن قال قائِل فأين جواب (أمّن هُوَ) فقد تبيَّن فى الكلام أنه مضمر، وقد جرى معناه فى أوّل الكلمة، إذ ذكر الضالّ ثم ذكر المهتدى بالاستفهام فهو دليل على أنه يريد: أهذا مثل هذا أو أهذا أفضل أم هذا. ومن لم يعْرف مذاهب العرب ويتبيَّن له المعْنى فى هذا وشبهِه لم يكتفِ ولم يشتف؛ ألا ترى قول الشاعر: فأقسم لو شَىْءٌ أتانا رَسُـوله * سواكَ ولكن لم نجد لك مَدْفعَا أنّ معناه: لو أتانا رسولُ غيرِك لدفعْنَاهُ، فعلم المعنى ولم يُظهر. وجرى قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ للإِسْلاَمِ﴾ عَلَى مثل هذا. وقوله ﴿آنَآءَ ٱللَّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً﴾ نُصِب على قوله: يقنت سَاجداً مرّةً وقائماً مَرّةً، أى مطيع فى الحالين. ولو رُفع كما رُفعَ القانت كان صَواباً. والقنوت: الطاعة.
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.