الباحث القرآني

وقوله: ﴿قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا﴾. فهذه نزلت فى أعاريب بنى أسد؛ قدموا على النبى صلى الله عليه وسلم المدينة بعيالاتهم طمعا فى الصدقة، فجعلوا يروحون ويغدون، ويقولون: أعطنا فإنا أتيناك بالعيال والأثقال، وجاءتك العرب على ظهور رواحلها؛ فأنزل الله جل وعز ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾؛ (وأن) فى موضع نصب لأنها فى قراءة عبدالله: يمنون عليك إِسلامهم، ولو جعلتَ: يَمُنُّونَ عَلَيْك لأنْ أَسْلَمُوا، فإِذَا ألقيت اللام كان نصباً مخالفا للنصب الأول. وقوله: ﴿أَنْ هَداكُمْ﴾، وفى قراءة عبدالله: إذ هداكم. فـ (أن) فى موضع نصب لا بوقع الفعل، ولكن بسقوط الصفة. وقوله: ﴿لاَ يَلِتْكُمْ﴾. لا ينقصكم، ولا يظلمكم من أعمالكم شيئاً، وهى من لات يليتُ، والقراء مجمعون عليها، وقد قرأ بعضهم: لا يَأْلِتْكم، ولست أشتهيها؛ لأنها بغير ألف كتبت فى المصاحف، وليس هذا بموضع يجوز فيه سقوط الهمز؛ ألا ترى قوله: (يأتون)، و (يأمرون)، و (يأكلون) لم تلق الألف فى شىء منه لأنها ساكنة، وإنما تلقى الهمزة إذا سكن ما قبلها، فإذا سكنت هى تعنى الهمزة ثبتت فلم تسقط، وإنما اجترأ على قراءتها "يألتكم" أنه وجد ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ فى موضع، فأخذ ذا من ذلك؛ فالقرآن يأتى باللغتين المختلفتين؛ ألا ترى قوله: ﴿تُمْلَىٰ عَلَيْهِ﴾. وهو فى موضع آخر: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِل﴾. ولم تحمل إحداهما على الأخرى فتتفقا ولات يليت، وألَت يألِتُ لغتان [قال حدثنا محمد بن الجهم بن إبراهيم السمرى قال حدثنا الفراء].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.