الباحث القرآني

وقوله: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ ثم قال جلَّ وجهه: ﴿إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾ وإن شئت (تَكُونَ) وفى (الميتة) وجهان الرفع والنصب. ولا يصلح الرفع فى القراءة؛ لأنّ الدم منصوب بالردّ على الميتة وفيه ألف تمنع من جواز الرفع. ويجوز (أن تكون) لتأنيث الميتة، ثم تردّ ما بعدها عليها. ومن رفع (الميتة) جعل (يكون) فعلا لها، اكتفى بيكون بلا فعل. وكذلك (يكون) فى كل الاستثناء لا تحتاج إلى فعل؛ ألا ترى أنك تقول: ذهب الناس إلا أن يكون أخاك، وأخوك. وإنما استغنت كان ويكون عن الفعل كما استغنى ما بعد إلا عن فعل يكون للاسم. فلما قيل: قام الناس إلا زيدا وإلا زيد فنصب بلا فعل ورفع بلا فعل صلحت كان تامة. ومن نصب: قال كان من عادة كان عند العرب مرفوع ومنصوب، فأضمروا فى كان اسما مجهولا، وصيّروا الذى بعده فعلا لذلك المجهول. وذلك جائز فى كان، وليس، ولم يزل، وفى أظنّ وأخواتها: أن تقول (أظنه زيد أخوك و) أظنّه فيها زيد. ويجوز فى إنّ وأخواتها؛ كقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا بُنَىّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ وكقوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فتذكّر الهاء وتوحّدها، ولا يجوز تثنيتها ولا جمعها مع جمع ولا غيره. وتأنيثها مع المؤنث وتذكيرها مع المؤنث جائز؛ فتقول: إنها ذاهبة جاريتك، وإنه ذاهبة جاريتك. فإن قلت: كيف جاز التأنيث مع الأنثى، ولم تجز التثنية مع الاثنين؟ قلت: لأن العرب إنما ذهبت إلى تأنيث الفعل وتذكيره، فلما جاز ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ ﴿وَأَخَذَتِ﴾ جازالتأنيث، والتذكير. ولما لم يجز: قاما أخواك ولا قاموا قومك، لم يجز تثنيتها ولا جمعها. فإن قلت: أتجيز تثنيتها فى قول من قال: ذهبا أخواك؟ قلت: لا، من قِبل أنّ الفعل واحد، والألف التى فيها كأنها تدلّ على صاحِبى الفعل، والواو فى الجمع تدل على أصحاب الفعل، فلم يستقم أن يكنى عن فعل واسم فى عقدة، فالفعل واحد أبدا؛ لأن الذى فيه من الزيادات أسماء. وتقول فى مسألتين منه يستدلّ بهما على غيرهما: إنها أسَد جاريتك، فأنثت لأن الأسد فعل للجارية، ولو جعلت الجارية فعلا للأسد ولمثله من المذكر لم يجز إلا تذكير الهاء. وكذلك كل اسم مذكّر شبهته بمؤنث فذكِّر فيه الهاء، وكل مؤنث شبهته بمذكر ففيه تذكير الهاء وتأنيثها؛ فهذه واحد. ومتى ما ذكَّرت فعل مؤنث فقلت: قام جاريتك، أو طال صلاتك، (ثم أدخلت عليه إنه) لم يجز إلا تذكيرها، فتقول: إنه طال صلاتك؛ فذكَّرتها لتذكير الفعل، لا يجوز أن تؤنث وقد ذكّر الفعل. وإذا رأيت الاسم مرفوعا بالمحالّ - مثل عندك، وفوقك، وفيها - فأنِّثْ وذكّر فى المؤنث ولا تؤنث فى المذكر. وذلك أن الصفة لا يُقَدر فيها على التأنيث كما يقدر (فى قام) جاريتك على أن تقول: قامت جاريتك. فلذلك كان فى الصفات الإجراء على الأصل. وإذا أخليت كان باسم واحد جاز أن ترفعه وتجعل له الفعل. وإن شئت أضمرت فيه مجهولا ونصبت ما بعده فقلت: إذا كان غدا فأتنا. وتقول: اذهب فليس إلا أباك، وأبوك. فمن رفع أضمر أحدا؛ كأنه قال: ليس أحد إلا أبوك، ومن نصب أضمر الاسم المجهول فنصب؛ لأن المجهول معرفة فلذلك نصبت. ومن قال: إذا كان غُدْوةً فأتنا لم يجز له أن يقول: إذا غدوةً كان فأتنا، كذلك الاسم المجهول لا يتقدمه منصوبه. وإذا قرنت بالنكرة فى كان صفة فقلت: إن كان بينهم شرّ فلا تقربهم، رفعت. وإن بدأت بالشر وأخرت الصفة كان الوجه الرفع فقلت: إن شر بينهم فلا تقربهم، ويجوز النصب. قال وأنشدنى بعضهم: فعينَىَّ هلاَّ تبكيان عِفَاقا * إذا كان طعنا بينهم وعِناقا فإذا أفردت النكرة بكان اعتدل النصب والرفع. وإذا أفردت المعرفة بكان كان الوجه النصب؛ يقولون: لو كان إلا ظله لخاب ظله. فهذه على ما وصفت لك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.