الباحث القرآني

وقوله: ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ أدخل (أن) فى (إما) لأنها فى موضع أمر بالاختيار. فهى فى موضع نصب فى قول القائل: اختر ذا أو ذا؛ ألا ترى أن الأمر بالاختيار قد صلح فى موضع إمّا. فإن قلت: إن (أو) فى المعنى بمنزلة (إمّا وإمّا) فهل يجوز أن يقول يا زيد أن تقوم أو تقعد؟ قلت: لا يجوز ذلك؛ لأن أول الاسمين فى (أو) يكو خبرا يجوز السكوت عليه، ثم تستدرِك الشكّ فى الاسم الآخِر، فتُمضى الكلام على الخبر؛ ألا ترى أنك تقول: قام أخوك، وتسكت، وإن بدا لك قلت: أو أبوك، فأدخلت الشكّ، والاسم الأول مكتفٍ يصلح السكوت عليه. وليس يجوز أن تقول: ضربت إمّا عبدالله وتسكت. فلمَّا آذنت (إمّا) بالتخيير من أول الكلام أحدثْتَ لها أن. ولو وقعت إمّا وإمّا مع فعلين قد وُصِلا باسم معرفة أو نكرة ولم يصلح الأمر بالتمييز فى موقع إمّا لم يحدث فيها أن؛ كقول الله تبارك وتعالى: ﴿وآخَرُون مُرْجَون لأَمْرِ الله إمَّّّا يعذِّبُهم وإمَّا يَتُوب عَلَيْهِمْ﴾ ألا ترى أن الأمر لا يصلح ها هنا، فلذلك لم يكُنْ فيه أن. ولو جعلت (أن) فى مذهب (كى) وصيَّرتها صلة لـ (مرجون) يريد أُرجئوا أن يعذبوا أو يتاب عليهم، صلح ذلك فى كل فعل تامّ، ولا يصلح فى كان وأخواتها ولا فى ظننت وأخواتها. من ذلك أن تقول آتيك إما أن تعطى وإما أن تمنع. وخطأ أن تقول: أظنك إما أن تعطى وإما أن تمنع، ولا أصبحت إما أن تعطى وإما أن تمنع. ولا تُدخلنَّ (أو) على (إما) ولا (إما) على (أو). وربما فعلت العرب ذلك لتآخيهما فى المعنى على التوهّم؛ فيقولون: عبدالله إما جالس أو ناهض، ويقولون: عبدالله يقوم وإما يقعد. وفى قراءة أبَىّ: (وإنا وإيَّاكم لإمَّا على هدى أو فى ضلال) فوضع أو فى موضع إما. وقال الشاعر: فقلت لهن امشين إِمَّا نلاقِه * كما قال أو نشف النفوس فنعذرا وقال آخر: فكيف بنفس كلما قلت أشرفت * على البرء من دهماء هِيض اندمالها تُهاض بدارٍ قد تقادم عهدُها * وإمّا بأمواتٍ ألمَّ خيالها فوضع (وإمّا) فى موضع (أو). وهو على التوهم إذا طالت الكلمة بعض الطول أو فرقت بينهما بشىء هنالك يجوز التوهم؛ كما تقول: أنت ضاربُ زيدٍ ظالما وأخاه؛ حين فرقت بينهما بـ (ظالم) جاز نصب الأخ وما قبله مخفوض. ومثله ﴿يا ذَا القَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهم حُسْناً﴾ وكذلك قوله ﴿إِمَّا أنْ تُلْقِىَ وإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.