الباحث القرآني

(فلولا كان) هذا عود إلى أحوال الأمم الخالية لبيان أن سبب حلول عذاب الاستئصال بهم أنه ما كان فيهم من ينهي عن الفساد ويأمر بالرشاد فقال (فلولا) أي فهلا كان (من القرون) الماضية المهلكة بالعذاب الكائنة (من قبلكم أولوا بقية) من الرأي والعقل والدين، والبقية في الأصل اسم لما يستبقيه الرجل مما يخرجه وهو لا يستبقي إلا أجوده وأفضله فصار لفظ البقية مثلاً في الجودة يقال فلان ذو بقية إذا كان فيه خير، والمراد بها حينئذ جيد الشيء وخياره، من قولهم فلان بقية الناس وبقية الكرام وإنها صفة على فعيلة للمبالغة بمعنى فاعلة ولذلك دخلت التاء فيها. وقيل معناه أولو بقية من خير يقال فلان على بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة ومنه قولهم في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا؛ وقيل أنها مصدر بمعنى البقوى، كالتقية بمعنى التقوى أي فهلا كان منهم ذووا بقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه، وقرئ بتخفيف الياء وهي اسم فاعل من بقي، والتقدير أولو طائفة بقية أي باقية. وقرئ بضم الباء وسكون القاف، أخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولو بقية وأحلام. (ينهون) قومهم (عن الفساد في الأرض) ويمنعونهم من ذلك لكونهم ممن جمع الله له بين جودة العقل وقوة الدين، وفي هذا من التوبيخ للكفار ما لا يخفى والاستثناء في قوله (إلا قليلاً) منقطع أي لكن قليلاً (ممن أنجبنا منهم) أي من الأمم الماضية وهم أتباع الأنبياء نهوا عن الفساد في الأرض وسائرهم تركوا النهي، وقيل هو متصل لأن في حرف التحضيض معنى النفي فكأنه قال ما كان في القرون أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم إلا أنه يؤدي إلى النصب في غير الموجب وإن كان غير النصب أولى. قال الزمخشري: إن جعلته متصلاً كان المعنى فاسداً لأن الكلام يؤول إلى أن الناجين لا يحضون على النهي ومن في ممن بيانية لأنه لم ينج إلا الناهون قيل هؤلاء القليل هم قوم يونس لقوله فيما مر إلا قوم يونس، وقيل هم أتباع الأنبياء أهل الحق من الأمم على العموم. (واتبع الذين ظلموا) أنفسهم بسبب مباشرتهم للفساد وتركهم للنهي عنه (ما أترفوا فيه) أي أنعموا من الشهوات فاهتموا بتحصيل أسبابها وأعرضوا عما وراء ذلك والمترف الذي أبطرته النعمة يقال صبي مترف منعم البدن. وفي القاموس الترفة بالضم النعمة والطعام والشيء الظريف تخص به صاحبك وترف كفرح تنعم وأترفته النعمة أطغته وأترف فلان أصر على المكر والمترف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع والمتنعم لا يمنع من تنعمه أي صاروا تابعين للنعم التي صاروا بها مترفين من خصب العيش ورفاهية الحال وسعة الرزق، وآثروا ذلك على الاشتغال بأعمال الآخرة واستغرقوا بأعمارهم في الشهوات النفسانية. وقبل المراد بالذين ظلموا، تاركوا النهي ورد بأنه يستلزم خروج مباشري الفساد عن الذين ظلموا وهم أشد ظلماً ممن لم يباشر وكان ذنبه ترك النهي وقرئ واتبع على البناء للمفعول ومعناه اتبعوا جزاء ما أترفوا فيه، قال مجاهد: واتبع الذين ظلموا أي في ملكهم وتجبرهم وتركهم للحق، وقال ابن عباس: أترفوا وأبطروا. وجملة (وكانوا مجرمين) متضمنة لبيان سبب إهلاكهم أي وكان هؤلاء الذين اتبعوا ما أترفوا فيه مجرمين كافرين والإجرام الآثام والمعنى أنهم أهل إجرام بسبب اتباعهم للشهوات واشتغالهم بها عن الأمور التي يحق الاشتغال بها ويجوز أن تكون معطوفة على واتبع الذين أي اتبعوا شهواتهم وكانوا بسبب ذلك الاتباع مجرمين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب