الباحث القرآني

(يا أرض ابلعي) يقال بلع الماء يبلعه مثل منع يمنع وبلع يبلع مثل حمد يحمد لغتان حكاهما الكسائي والفراء: والبلع الشرب وتغوير الماء ومنه البالوعة وهي الموضع الذي يشرب الماء والازدراد يقال بلع ما في فمه من الطعام إذا ازدرده، واستعير البلع الذي هو من فعل الحيوان للنشف دلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتاد الكائن على سبيل التدريج. قال الخفاجي: النشف من نشف الثوب العرق كسمع وبصر إذا شربه، قال المدقق: هذا أولى من جعل السكاكي البلع مستعاراً لغور الماء في الأرض لدلالته على جذب الأرض ما عليها كالبلع بالنسبة إلى الحيوان ولأن النشف فعل الأرض والغور فعل الماء. فالله دره ما أكثر اطلاعه على حقائق المعاني اهـ. وقال عكرمة: ابلعي هو بالحبشية ازدرديه وعن ابن منبه نحوه وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: معناه اشربي بلغة الهند وعن ابن عباس مثله. أقول وثبوت لفظ البلع وما يشتق منه في لغة العرب ظاهر مكشوف فمالنا وللحبشة والهند والمعنى انشفي وتشربي (ماءك) أي ما على وجهك من ماء الطوفان دون المياه المعهودة فيها من العيون والأنهار. وعبر عنه بالماء بعد ما عبر عنه بأمر الله، لأن المقام مقام النقص والتقليل لا مقام التفخيم والتهويل. (ويا سماء أقلعي) الإقلاع الإمساك يقال اقلع المطر إذا انقطع وأقلع عن الشي إذا تركه وهو قريب من الأول، والمعنى أمر السماء بإمساك الماء عن الإرسال، ولفظ أحمد المهايمي في تفسيره: أي اجذبي إلى جهة الفوق ما نزل منك اهـ. وقيل ميز الله بين الماءين فما كان من ماء الأرض أمرها فبلعته وصار ماء السماء بحاراً، وخوطبت الأرض أولاً بالبلع لأن الماء نبع منها أولاً قبل إن تمطر السماء. (وغيض الماء) أي نقص ونضب ما بين السماء والأرض من الماء يقال غاض الماء وغضته أنا وهو لازم ومتعد، فمن اللازم قوله تعالى (وما تغيض الأرحام) أي تنقص، وقيل بل هو هنا متعد أيضاً وسيأتي، ومن المتعدي هذه الآية لأنه لا يبنى للمفعول من غير واسطة حرف الجر إلا المتعدي بنفسه وهو إخبار عن حصور المأمورية من السماء والأرض معاً أي فامتثلا ما أمرا به ونقص الماء، ولا يخص غيض الماء بطوفان السماء كما توهم، وفيه كلام طويل في الكشف، قال الصاوي: أي ولم يذهب بالكلية لما علمت من بقاء ماء السماء. (وقضي الأمر) أي أحكم وفرغ منه يعني أهلك الله قوم نوح على تمام وإحكام وأنجز ما كان وعده، قاله القرطبي (واستوت على الجودي) أي استقرت السفينة على الجبل المعروف بالجودي، روى أنه عليه السلام ركب في الفلك في عاشر رجب ونزل عنها في عاشر المحرم فصام ذلك اليوم شكراً فصار سنة، والجودي جبل بقرب الموصل. وقيل أن الجودي اسم لكل جبل وقيل هو بالشام، وقيل بآمل وفي الحديث لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة ويقال أنه من جبال الجنة فلذا استوت عليه بعد أن طافت الأرض كلها ستة أشهر. (وقيل بعداً للقوم الظالمين) القائل هو الله سبحانه ليناسب صدر الآية، وقيل هو نوح وأصحابه والمعنى وقيل هلاكاً لهم وهو من الكلمات التي تختص بدعاء السوء، ووصفهم بالظلم للإشعار بأنه علة الهلاك وللإيماء إلى قوله (ولا تخاطبني في الذين ظلموا). قال عبد الرحمن بن خلدون: اتفقوا على أن الطوفان الذي كان في زمن نوح وبدعوته ذهب بعمران الأرض أجمع وبما كان من خراب المعمور وهلك الذين ركبوا معه في السفينة ولم يعقبوا فصار أهل الأرض كلهم من نسله وعاد أباً ثانيا للخليقة انتهى. وقال ابن الأثير في الكامل: وأما المجوس فلا يعرفون الطوفان وكان بعضهم يقر به ويزعم أنه كان في إقليم بابل وما قرب منه، وأن مساكن ولد خومرت كانت بالمشرق فلم يصل ذلك إليهم، وكذلك جميع الأمم المشرقية من الهند والفرس والصين لا يعترفون بالطوفان، وبعض الفرس يعترف به ويقول لم يكن عاماً ولم يتعد عقبة حلون. والصحيح أن جميع أهل الأرض من ولد نوح عليه السلام لقوله تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين) فجميع الناس من ولد سام وحام ويافث أولاد نوح انتهى. وقال المقريزي في الخطط: أن جميع أهل الشرائع أتباع الأنبياء من المسلمين واليهود والنصارى قد أجمعوا على أن نوحاً هو الأب الثاني للبشر، وأن العقب من آدم عليه السلام انحصر فيه ومنه ذرأ الله جميع أولاد آدم، فليس أحد من بني آدم إلا وهو من أولاد نوح، وخالفت القبط والمجوس وأهل الهند والصين ذلك فأنكروا الطوفان. وزعم بعضهم أن الطوفان إنما حدث في إقليم بابل وما وراءه من البلاد الغربية فقط وأن أولاد كيومرت الذي هو عندهم الإنسان الأول كانوا بالبلاد الشرقية من بابل فلم يصل الطوفان إليهم ولا إلى الهند والصين. والحق ما عليه أهل الشرائع وأن نوحاً عليه السلام لما أنجاه الله ومن معه بالسفينة نزل بهم وهم ثمانون رجلاً سوى أولاده فماتوا بعد ذلك ولم يعقبوا، وصار العقب من نوح في أولاده الثلاثة، ويؤيد هذا قول الله تعالى عن نوح. (وجعلنا ذريته هم الباقين) انتهى. وقد أطبق علماء البلاغة على أن هذه الآية الشريفة بالغه من الفصاحة والبلاغة إلى محل يتقاصر عن الوصف وتضعف عن الإتيان بما يقاربه قدرة القادرين على فنون البلاغة الثابتين الأقدام في علم البيان، الراسخين في اللغة المطلعين على ما هو مدون من خطب مصاقع خطباء العرب وأشعار بواقع شعرائهم المرتاضين بدقائق علوم العربية وأسرارها. قال الصاوي وسليمان الجمل: قال بعضهم: هذه الآية أبلغ آية في القرآن باحتوائها على أحد وعشرين نوعاً من أنواع البديع، والحال أن كلماتها تسعة عشر انتهى. قلت: وقد تعرض لبيان ما اشتملت عليه من ذلك جماعة فأطالوا وأطابوا رحمنا الله وإياهم برحمته الواسعة منهم أبو حيان محمد بن يوسف الإمام الأندلسي في تفسيره المسمى بالنهر الماد من المحيط ذكر فيه أحداً وعشرين نوعاً من البديع وكذا السيد محمد بن أسماعيل بن صلاح الأمير في رسالته المسماة بالنهر المورود، في تفسير آية هود، وهو المناسبة والمطابقة، والمجاز، والاستعارة، والإشارة والتمثيل، والأرداف، والتعليل، وصحة التقسيم، والاحتراس، والإيضاح، والمساواة، وحسن النسق، والإيجاز، والتسهيم والتهذيب، وحسن البيان، والتمكين، والتجنيس، والمقابلة، والذم، والوصف. وبسط في بيان هذه الأنواع أتم بسط وقال هذا كله نظراً في الآية من جانب البلاغة، وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهى كما ترى نظم للمعاني لطيف سديد وتأدية لها ملخصة مبينة، لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ولا التواء يشيك الطريق على المرتاد، بل ألفاظها تسابق معانيها، ومعانيها تسابق ألفاظها. وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية أصلية مستعملة جارية على قانون اللغة سليمة عن التنافر، بعيدة عن البشاعة عذبة على العذبات سلسة على الاسلات، كل منها كالماء في السلاسة وكالعسل في الحلاوة وكالنسيم في الرقة. انتهى. قلت: النظر في هذه الآية من أربع جهات: (الأول) من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز وغيره كما تقدمت الإشارة إليه (والثاني) من جهة علم المعاني، وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها (والثالث والرابع) من جهة الفصاحة المعنوية واللفظية كما تقدم. وقد ذكر طرفاً من هذه الجهات الأربع النسفي في المدارك، ثم قال: ومن ثم أطبق المعاندون، على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية، ولله در شأن التنزيل لا يتأمل العالم آية من آياته إلا أدرك لطائف لا تسع الحصر. ولا تظنن الآية مقصورة على المذكور فلعل المتروك أكثر من المسطور. اهـ. قال القاضي: والآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها وحس نظمها والدلالة على كنه الحال مع الإيجاز الخالي عن الإخلال. قال الخفاجي: هذه الآية حوت من البلاغة أمراً عجيباً ترقص الرؤوس له طرباً وما اشتملت عليه من الفصاحة والنكات مفصل في شرح المفتاح. وقال أبو السعود: ولقد بلغت الآية الكريمة من مراتب الإعجاز قاصيتها، وملكت من غرر المزايا ناصيتها، وقد تصدى لتفصيلها المهرة المتقنون، ولعمري إن ذلك فوق ما يصفه الواصفون، فحري بنا أن نوجز الكلام في هذا الباب ونفوّض الأمر إلى تأمل أولي الألباب والله عنده علم الكتاب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب