الباحث القرآني

(ولما جهزهم بجهازهم) المراد به هنا أنه أعطاهم ما طلبوه من الميرة وما يصلحون به سفرهم من العدة التي يحتاجها السافر، يقال جهزت القوم تجهيزاً إذا تكلفت لهم جهاز السفر قال الأزهري: القراء كلهم على فتح الجيم والكسر لغة جيدة. وقيل بالعكس. وفي الآية تضمين ضمن جهز معنى أكرم، أي ولما أكرمهم بجهازهم أي بتحصيله لهم، قيل حمل لكل واحد منهم بعيراً من الطعام وأكرمهم في النزول وأحسن ضيافتهم، وجميع ما فعله يوسف عليه السلام معهم في هذه القصة كان بالوحي كما قاله بعض المفسرين. (قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم) يعني أخاه بنيامين الذي تقدم ذكره، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه، ولم يقل بأخيكم بالإضافة مبالغة في عدم تعرفه بهم، ولذلك فرقوا بين مررت بغلامك وبغلام لك، فإن الأول يقتضي عرفانك بالغلام وأن بينك وبين مخاطبك نوع عهد، والثاني لا يقتضي ذلك قاله الكرخي، أو أتى باللام لأنه كان أخاهم لأبيهم لا لأمهم وهذا أحسن من الأول. ولعله عليه السلام إنما قاله لما قيل من أنهم سألوه عليه السلام حملاً زائداً على المعتاد لبنيامين فأعطاهم ذلك وشرطهم أن يأتوا به، لا لما قيل من أنه لما رأوه وكلموه بالعبرية. قال لهم: من أنتم فإني أنكركم؟ فقالوا له: نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد فجئنا نمتار. فقال لهم: لعلكم جئتم عيوناً. فقالوا: معاذ الله نحن أخوة بنو أب واحد وهو شيخ كبير صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب. قال: كم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك وكان أحبنا إلى أبينا. فقال: كم أنتم هاهنا؟ قالوا: عشرة. قال: فأين الحادي عشر؟ قالوا: هو عند أبيه يتسلى به عن الهالك. قال: فمن يشهد لكم أنكم لست عيوناً وأن ما تقولون حق؟ قالوا: نحن ببلاد لا يعرفنا فيها أحد فيشهد لنا. قال: فدعوا بعضكم عندي رهينا وأتوني بأخيكم من أبيكم وهو يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم، فاقترعوا فأصاب القرعة شمعون فخلفوه عنده إذ لا يساعده ورود الأمر بالإتيان به عند التجهيز ولا الحث عليه بإيفاء الكيل ولا الإحسان في الإنزال ولا الاقتصار على منع الكيل على تقدير عدم الإتيان به ولا جعل بضاعتهم في رحالهم لأجل رجوعهم ولا عدتهم بالإتيان به بطريق المراودة ولا تعليلهم عند أبيهم إرسال أخيهم بمنع الكيل من غير ذكر الرسالة، على أن استبقاء شمعون لو وقع لكان ذلك طامة ينسى عندها كل قيل وقال. ثم قال لهم (ألا ترون أني أوف الكيل) أي أتممه وجاء بصيغة الاستقبال مع كونه قال لهم هذه المقالة بعد تجهيزهم للدلالة على أن ذلك عادته المستمرة وغرضه ترغيبهم في العود إليه مرة أخرى، ثم أخبرهم بما يزيدهم وثوقاً به وتصديقاً لقوله فقال: (وأنا خير المنزلين) أي والحال أنا خير لمن نزل بي كما فعلته بكم من حسن الضيافة وحسن الإنزال، قال الزجاج: قال يوسف عليه السلام ذلك حين أنزلهم وأحسن ضيافتهم، وقال ابن عباس: أنا خير من يضيف بمصر، قال الرازي: وهذا الكلام يضعف قول من يقول من المفسرين أنه اتهمهم ونسبهم إلى أنهم جواسيس ومن يشافههم بهذا الكلام فلا يليق به أن يقول لهم ألا ترون الخ، وأيضاً يبعد من يوسف عليه السلام مع كونه صديقاً أن يقول لهم ذلك مع أنه يعرف براءتهم من هذه التهمة لأن البهتان لا يليق بالصديق. فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) ثم توعدهم إذا لم يأتوه به فقال
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب