الباحث القرآني

(أنزل من السماء ماء) مطراً يعني من جهتها والتنكير للتكثير أو للنوعية (فسالت أودية) جمع واد وهو كل منفرج بين جبلين أو نحوهما يسيل الماء فيه بكثرة فاتسع فيه واستعمل للماء الجاري فيه وتنكيرها لأن المطر يأتي على تناوب بين البقاع وإذا نزل لا يعم جميع الأرض ولا يسيل في كل الأودية بل ينزل في أرض دون أرض ويسيل في واد دون واد. قال أبو علي الفارسي: لا نعلم فاعلاً جمع على أفعلة إلا هذا، وكأنه حمل على فعيل مثل جريب وأجربة كما أن فعيلاً حمل على فاعل فجمع على أفعال مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر. قال وفي قوله أودية توسع أي سال ماؤها قال ومعنى (بقدرها) بقدر مائها لأن الأودية ما سالت بقدر أنفسها، قال الواحدي: والقدر مبلغ الشيء والمعنى بقدرها من الماء فإن صغر الوادي قل الماء وإن اتسع كثر، قال ابن عباس: الصغير قدر صغره، والكبير قدر كبره، ونحوه قال ابن جريج وقال في الكشاف بمقدارها الذي يعرف الله أنه نافع للممطور عليهم غير ضار، وقيل بمقدار ملئها أي ما يملؤها كل واحد بحسبه صغراً وكبراً، والباء للملابسة. قال ابن الأنباري: شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر إذ نفْع نزول القرآن يعم كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية بالقلوب إذ الأودية يستكن فيها الماء كما يستكن القرآن والإيمان في قلوب المؤمنين. (فاحتمل السيل) احتمل بمعنى حمل فافتعل بمعنى المجرد وإنما نكر الأودية وعرف السيل لأن المطر ينزل على المناوبة والسيل قد فهم من الفعل قبله وهو فسالت (زبداً رابياً) الزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل ويقال له الغُثاء والرغوة وكذلك ما يعلو عن القدر عند غليانها، وقيل الزبد وضر الغليان والوضر بفتحتين وسخ الدسم ونحوه وهو مجاز عما يعلو الماء من الغُثاء والرابي العالي المرتفع فوق الماء، قال الزجاج: هو الطافي فوق الماء، وقال غيره هو الزائد بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد. والمراد من هذا تشبيه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء فإنه يضمحل ويعلق بجنبات الوادي وتدفعه الرياح، فكذلك يذهب الكفر ويضمحل، وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء نفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ووعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين ونفعه ما بعثني الله به فتعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به [[مسلم/2282 البخاري/68.]]، أخرجه البخاري ومسلم. وقد تم هنا المثل الأول ثم شرع سبحانه في ذكر المثل الثاني فقال (ومما يوقدون عليه في النار) مِن لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء أو للتبعيض بمعنى وبعضه زبد مثله والضمير للناس أضمر مع عدم سبق الذكر لظهوره؛ هذا على قراءة التحتية واختاره أبو عبيدة، وقرئ بالفوقية على الخطاب والمعنى ومما توقدون عليه في النار فيذوب من الأجسام المتطرفة الذائبة، وفي المصباح وقدت النار وقداً من باب وعد ووقوداً والوقود بالفتح الحطب وأوقدتها إيقاداً ومنه على الاستعارة كلما أوقدوا ناراً للحرب، والوقد بفتحتين النار نفسها والموقد موضع الوقود. (ابتغاء) أي لطلب اتخاذ (حلية) بتزينون بها ويتجملون كالذهب والفضة (أو) لطلب (متاع) آخر يتمتعون به من الأواني والآلات المتخذة من الحديد والصفر والنحاس والرصاص (زبد مثله) المراد بالزبد هنا الخبث فإنه يعلو فوق ما أذيب من تلك الأجسام كما يعلو الزبد على الماء فالضمير في مثله يعود إلى زبداً رابياً وزبد مبتدأ وخبره مما توقدون، ووجه المماثلة أن كلا منهما ناش من الاكدار. (كذلك) الضرب البديع (يضرب) أي يبين (الله) المثل (الحق) أي الإيمان (و) المثل (الباطل) أي الكفر فالحق هو الماء والجوهر الصافي الثابت والباطل هو الزبد الطافي الذي لا ينتفع به ثم شرع في تتميم المثل فقال: (فأما الزبد) بقسميه (فيذهب جفاء) باطلاً مرمياً به يقال جفأ الوادي غثاء جفأ إذا رمى به أي يرميه الماء إلى الساحل ويرميه الكير فلا ينتفع به والجفاء بمنزلة الغثاء وكذا قال أبو عمرو بن العلاء، وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤبة يقرأ (جفالاً) قال أبو عبيدة أجفلت القدر إذا قذفت بزبدها وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته، قال أبو حاتم لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفار. والمعنى يذهب باطلاً ضائعاً أي أن الباطل وأن علا في وقت فإنه يضمحل ويذهب، وقيل الجفاء المتفرق قاله ابن الأنباري يقال جفأت الريح السحاب أي قطعته وفرقته ووجه المماثلة بين الزبدين في الزبد الذي يحمله السيل والزبد الذي يعلو الأجسام المتطرقة إن تراب الأرض لما خالط الماء وحمله معه صار زبداً رابياً فوقه وكذلك ما يوقد عليه في النار حتى يذوب من الأجسام المتطرقة فإن أصله من المعادن التي تنبت في الأرض فيخالطها التراب فإذا أذيبت صار ذلك التراب الذي خالطها خبثاً مرتفعاً فوقها. (وأما ما ينفع الناس) منها وهو الماء الصافي والجوهر الجيد من هذه الأجسام المذابة والذائب الخالص من الخبث (فيمكث في الأرض) أي يثبت فيها ويبقى ولا يذهب، أما الماء فإنه يسلك في عروق الأرض فينتفع الناس به، وأما ما أذيب من تلك الأجسام فإنه يصاغ حلية وأمتعة. وهذان مثلان ضربهما الله سبحانه للحق والباطل يقول إن الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه فإن الله سبحانه سيمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة للحق وأهله كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ويضمحل، وكخبث هذه الأجسام فإنه وأن علا عليها فإن الكير يقذفه ويدفعه فهذا مثل الباطل. وأما الماء الذي ينفع الناس وينبت المراعي فيمكث في الأرض وكذلك الصفو من هذه الأجسام فإنه يبقى خالصاً لا شوب فيه وهو مثل الحق. قال الزجاج: فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان كمثل هذا الماء المنتفع به في نبات الأرض وحياة كل شيء، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر لأنها كلها تبقى منتفعاً بها، ومثل الكافر وكفره كمثل الزبد الذي يذهب جفاء، وكمثل خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذي لا ينتفع به، وقد حكينا عن ابن الأنباري فيما تقدم أنه شبه نزول القرآن إلى آخر ما ذكرناه فجعل ذلك مثلاً ضربه الله للقرآن. (كذلك) الضرب العجيب (يضرب الله الأمثال) في كل باب لكمال العناية بعباده واللطف بهم في الإرشاد والهداية، وفيه تفخيم لشأن هذا التمثيل وتأكيد لقوله: (كذلك يضرب الله الحق والباطل) إما باعتبار ابتناء هذا على التمثيل الأول أو بجعل ذلك إشارة إليهما جميعاً. ثم بيَّن سبحانه من ضرب له مثل الحق ومثل الباطل من عباده، فقال فيمن ضرب له مثل الحق
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب