الباحث القرآني

(وجعلنا الليل والنهار آيتين) وذلك لما فيهما من الإظلام والإنارة مع تعاقبهما وسائر ما اشتملا عليه من العجائب التي تحار في وصفها الأحلام، ومعنى كونهما آيتين أنهما يدلان على وجود الصانع وقدرته وعلى إنفاذ الحكمم بتعاقبهما على نسق واحد مع إمكان غيره؛ وقدم الليل على النهار لكونه الأصل، وثنى الآية هاهنا وأفردها في قوله (وجعلناها وابنها آية) لتباين الليل والنهار من كل وجه ولتكررهما؛ فناسب هنا التثنية بخلاف عيسى مع أمه فإنه جزء منها ولا تكرر فيهما فناسب فيهما الإفراد، قاله الكرخي. (فمحونا آية الليل) أي طمسنا نورها، وقد كان القمر كالشمس في الإنارة والضوء، قيل ومن آثار المحو السواد الذي يرى في القمر؛ وقيل المراد بمحوها أنه سبحانه خلقها ممحوة الضوء مطموسة مظلمة لا يستبين فيه شيء، وليس المراد أنه محاها بعد أن لم تكن كذلك، والفاء تفسيرية لأن المحو المذكور وما عطف عليه ليسا مما يحصل عقب جعل الليل والنهار آيتين بل هما من جملة ذلك الجعل ومتمماته. وعن عليّ قال في الآية: هو السواد الذي في القمر. وعن ابن عباس نحوه. وأخرج البيهقي وابن عساكر عن سعيد المقبري أن عبد الله بن سلام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السواد الذي في القمر فقال " كان شمسين، فالسواد الذي رأيت هو المحو " وعن ابن عباس مرفوعاً نحوه بأطول منه. أخرجه ابن مردويه، قال السيوطي وإسناده واه. (وجعلنا آية النهار مبصرة) أي مبصراً فيها قال الكسائي وغيره هو من قول العرب: أبصر النهار إذا صار بحالة يبصر بها، وأشار بهذا إلى أن في الكلام مجازاً عقلياً لأن النهار لا يبصر، بل يبصر فيه فهو من إسناد الحديث إلى زمانه، وقيل مبصرة للناس من قولهم أبصره فبصر. فالأول وصف لها بحال أهلها؛ والثاني وصف لها بحال نفسها وإضافة آية إلى النهار بيانية، أي فمحونا الآية التي هي النهار مبصرة، كقولهم نفس الشيء وذاته. وقيل آية النهار الشمس، كما أن آية الليل القمر، فمعنى وجعلنا آية النهار مبصرة، أي جعلنا شمس النهار مضيئة تبصر بها الأشياء رؤية بينة. (لتبتغوا فضلاً من ربكم) أي لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في وجوه المعاش، والمعنى جعلناها لتبتغوا وتطلبوا فضلاً أي رزقاً، إذ غالب تحصيل الأرزاق وقضاء الحوائج يكون بالنهار، ولم يذكر هنا السكون في الليل اكتفاء بما قاله في موضع آخر: (وهو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً). ثم ذكر مصلحة أخرى في ذلك الجعل فقال: (ولتعلموا عدد السنين والحساب) وهذا متعلق بالفعلين جميعاً، أعني محونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتعلموا الخ لا بأحدهما فقط كالأول، إذ لا يكون علم عدد السنين والحساب إلا باختلاف الجديدين ومعرفة الأيام والشهور والسنين، والفرق بين العدد والحساب أن العدد إحصاء ما له كمية بتكرير أمثاله من غير أن يتحصل منه شيء، والحساب إحصاء ما له كمية بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حد معين منه له اسم خاص. فالسنة مثلاً إن وقع النظر إليها من حيث عدد أيامها فذلك هو العدد، وإن وقع النظر إليها من حيث تحققها وتحصلها من عدة أشهر قد تحصل كل شهر من عدة أيام قد تحصل كل يوم من عدة ساعات قد تحصلت كل ساعة من عدة دقائق فذلك هو الحساب. ولو كانا مثلين لما عرف الليل من النهار ولا استراح حراص المكتسبين والتجار ولتعطلت الأمور ولم يدر الصائم متى يفطر ولم يعرف وقت الحج والصوم والصلاة ولا وقت الزراعة ولا وقت حلول الديون المؤجلة وقال الكرخي لا تكرار إذ العدد موضوع الحساب. (وكل شيء فصلناه تفصيلاً) أي كل ما تفتقرون إليه في أمر دينكم ودنياكم بيناه تبييناً واضحاً لا يلتبس فهو كقوله (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وقوله (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) وإنما ذكر المصدر وهو قوله (تفصيلاً) لأجل تأكيد الكلام وتقريره فكأنه قال فصلناه حقاً على الوجه الذي لا مزيد عليه وعند ذلك تنزاح العلل وتزول الأعذار ليهلك من هلك عن بينة ولهذا قال: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17)
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب