الباحث القرآني

(فوجدا عبداً من عبادنا) هو الخضر في قول جمهور المفسرين وعلى ذلك دلت الأحاديث الصحيحة وخالف في ذلك من لا يعتدّ بقوله فقال ليس هو الخضر بل عالم آخر، وقيل كان ملكاً من الملائكة قيل سمي الخضر لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله، قاله مجاهد قيل: واسمه بليا بن ملكان وهو من نسل نوح. عن ابن عباس: قال الخضر بن آدم لصلبه ونسىء له في أجله حتى يكذب الدجال وفيه نظر، وقيل كان من بني إسرائيل أو من أبناء الملوك تزهد وترك الدنيا، وأخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء " [[البخاري كتاب الأنبياء باب 27 - الترمذي تفسير سورة 18/ 3.]] والخضر بكسر الخاء مع سكون الضاد وبفتح الخاء مع سكون الضاد وكسرها ففيه لغات ثلاثة، وهذا لقبه وكنيته أبو العباس. ثم وصفه الله سبحانه فقال (آتيناه رحمة من عندنا) قيل الرحمة هي النبوة والهداية قاله ابن عباس، وقيل؛ النعمة التي أنعم الله بها عليه وهي الولاية وعليه الأكثر والجمهور من العلماء على أنه حي إلى يوم القيامة لشربه من ماء الحياة، والأصح ما ذهب إليه أهل الحديث من عدم حياته والله أعلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الرد على المنطقيين: ومن ملاحدة المتصوفة من يزعم أن أرسطو كان هو الخضر خضر موسى وقولهم هذا من أظهر الكذب البارد، والخضر على الصواب مات قبل ذلك بزمان طويل، والذين يقولون إنه حي كبعض العباد وبعض العامة وكثير من اليهود والنصارى غالطون في ذلك غلطاً لا ريب فيه، وسبب غلطهم أنهم يرون في الأماكن المنقطعة وغيرها من يظن أنه من الزهاد ويقول إنه الخضر، ويكون ذلك شيطاناً قد تمثل بصورة آدمي. وهذا مما علمناه في وقائع كثيرة حتى في المكان الذي كتبت فيه هذا عند الربوة بدمشق رأى شخص بين الجبلين صورة رجل قد سد ما بين الجبلين وبلغ رأسه رأس الجبل وقال أنا الخضر وأنا نقيب الأولياء وقال للرجل الرائي أنت رجل صالح وأنت وليّ الله ومدَّ يده إلى فأس كان الرجل نسيه في مكان وهو ذاهب إليه فناوله إِياه وكان بينه وبين ذلك المكان نحو ميل؛ ومثل هذه الحكاية كثيرة. وكل من قال أنه رأى الخضر وهو صادق فإما أن يتخيل له في نفسه أنه رآه ويظن ما في نفسه كان في الخارج كما يقع لكثير من أرباب الرياضات، وإما أن يكون جنياً يتصور له بصورة إنسان ليضله وهذا كثير جداً قد علمنا منه ما يطول وصفه، وإما أن يكون رأى إنسياً ظن أنه الخضر وهو غالط في ظنه فإن قال له ذلك الجني أو الإنسي أنه الخضر فيكون قد كذب عليه، لا يخرج الصدق في هذا الباب عن هذه الأقسام الثلاثة. وأما الأحاديث فكثيرة ولهذا لم ينقل عن أحد من الصحابة أنه رأى الخضر ولا اجتمع به لأنهم كانوا أكمل علماً وإيماناً من غيرهم فلم يكن يمكن شيطان التلبيس عليهم كما لبس على كثير من العباد، ولهذا كثير من الكفار اليهود والنصارى يأتيهم من يظنون أنه الخضر ويحضر في كنائسهم وربما حدثهم بأشياء وإنما هو شيطان جاء إليهم يضلهم، ولو كان الخضر حياً لوجب عليه أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيؤمن به ويجاهد معه كما أخذ الله الميثاق على الأنبياء واتباعهم بقوله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه). والخضر قد أصلح السفينة لقوم من عرض الناس فكيف لا يكون بين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو إن كان نبياً فنبينا أفضل منه، وإن لم يكن نبياً فأبو بكر وعمر أفضل منه، وهذا مبسوط في موضعه انتهى وسيأتي الكلام على ذلك في آخر هذه القصة إن شاء الله تعالي. (وعلمناه) من علم الغيب الذي استأثرنا به، وفي قوله (من لدنا علماً) تفخيم لشأن ذلك العلم وتعظيم له، قال الزجاج: وفيما فعل موسى وهو من أجله الأنبياء من طلب العلم والرحلة في ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم وإن كان قد بلغ نهايته وأن يتواضع لمن هو أعلم منه. ثم قص سبحانه علينا ما دار بين موسى والخضر بعد اجتماعهما فقال
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب