الباحث القرآني

(وإن منكم إلا واردها) الخطاب للناس من غير التفات أو للإنسان المذكور فيكون التفاتاً، وقيل للكفار، وقرئ وإن منهم لمناسبة الآيات التي قبل هذه فإنها في الكفار، وهي قوله: فوربك لنحشرنهم، الآيات وكذلك قرأ عكرمة وجماعة، لكن الأكثرون على أن المخاطب العالم كلهم، والمعنى ما منكم من أحد مسلماً كان أو كافراً إلا واردها أي واصلها وداخلها، والضمير يرجع إلى النار؛ وقيل إلى يوم القيامة والأول أولى. وقد اختلف الناس في هذا الورود، فقيل الورود الدخول لقوله: لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها، لكنه يختص بالكفار لقراءة وإن منهم، وتحمل القراءة المشهورة على الالتفات ويستثنى الأنبياء والمرسلون، وتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم. وقالت فرقة: الورود هو المرور على الصراط، لأن الصراط ممدود عليها، فيسلم أهل الجنة ويتقاذف أهل النار، وعلى هذا لا يستثنى الأنبياء والمرسلون، بل يمر عليه جميع الخلق. روي ذلك عن ابن عباس وكعب الأحبار والسدي ورواه السدي عن ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وسلم) والحسن. وعن مجاهد: ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " الحمى حظ كل مؤمن من النار " [[وتتمته: " وحمى ليلة تكفر خطايا سنة مجرمة " ضعيف الجامع الصغير 2795 سلسلة الأحاديث الضعيفة 3532.]]، وفيه بعد. وقيل ليس الورود الدخول إنما هو كما تقول وردت البصرة ولم أدخلها، وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود، وحمله على ظاهره لقوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) قالوا فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده عنها، وأجابوا عنه بأن معناه أنهم مبعدون عن العذاب فيها والاحتراق بها، فمن دخلها وهو لا يشعر بها ولا يحس منها وجعاً ولا ألماً فهو مبعد عنها. وقالت فرقة: الورود هو الإشراف والاطلاع والقرب، وذلك أنهم يحضرون موضع الحساب وهو بقرب جهنم فيرونها وينظرون إليها في حالة الحساب، ثم ينجي الله الذين اتقوا مما نظروا إليه ويصار بهم إلى الجنة كما سيأتي، ومما يدل على أن الورود لا يستلزم الدخول قوله تعالى: (ولما ورد ماء مدين) فإن المراد أنه أشرف عليه لا أنه دخل فيه، ولا يخفى أن القول بأن الورود هو المرور على الصراط أو الورود على جهنم وهي خامدة فيه، جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة فينبغي حمل هذه الآية على ذلك لأنه قد حصل الجمع بحمل الورود على دخول النار مع كون الداخل من المؤمنين مبعداً من عذابها، أو بحمله على المضي فوق الجسر المنصوب عليها، وهو الصراط. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي والحاكم وصححه عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن وقال بعضنا يدخلونها جميعاً ثم ننجي الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فذكرت له فقال -وأهوى بأصبعه إلى أذنيه- صممنا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجاً من بردها
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب