الباحث القرآني

(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) أم هنا منقطعة بمعنى بل، وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة همزة الاستفهام يبتدأ بها الكلام، فعلى هذا معنى الاستفهام هنا التقرير والإنكار أي أحسبتم دخولكم الجنة واقعاً، والغرض من هذا التوبيخ تشجيعهم على الصبر وحثهم عليه، وحسب هنا من أخوات ظن، وقد تستعمل في اليقين. (ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم) الواو للحال، ولما بمعنى لم أي والحال أنكم لم يأتكم مثلهم بعد، ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مثل في الفظاعة والشدة وهو متوقع منتظر، ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم فتصبروا كما صبروا. ذكر الله سبحانه هذه التسلية بعد أن ذكر اختلاف الأمم على أنبيائهم تثبيتاً للمؤمنين وتقوية لقلوبهم، ومثل هذه الآية قوله (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) وقوله (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون). (مستهم) استئناف بيان لقوله (مثل الذين خلوا) (البأساء والضراء) قد تقدم تفسيرهما (وزلزلوا) الزلزلة شدة التحريك تكون في الأشخاص وفي الأقوال، يقال زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالاً بالكسر فتزلزلت أي تحركت واضطربت، فمعنى زلزلوا خوفوا وأزعجوا إزعاجاً شديداً، وحركوا بأنواع البلايا والرزايا، وقال الزجاج: الزلزلة نقل الشيء من مكانه، فإذا قلت زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه. (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه) أي استمر ذلك إلى غاية هي قول الرسول ومن معه أي صاحبوه في الإيمان، وحتى بمعنى إلى، وأن مضمرة أي إلى أن يقول، وهي غاية لما تقدم من المس والزلزال وذلك لأن الرسل أثبت من غيرهم وأصبر، وأضبط للنفس عند نزول البلايا وكذلك أتباعهم من المؤمنين. (متى نصر الله) متى ظرف زمان لا ينصرف إلا بجره بحرف والرسول هنا قيل هو محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقيل شعياء: وقيل هو كل رسول بعث إلى أمته. وقالت طائفة: في الكلام تقديم وتأخير أي حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله، ويقول الرسول ألا إن نصر الله قريب. ولا ملجىء لهذا التكلف لأن قول الرسول ومن معه (متى نصر الله) ليس فيه إلا استعجال النصر من الله سبحانه، وليس فيه ما زعموه من الشك والإرتياب حتى يحتاج إلى ذلك التأويل المتعسف. قال قتادة: نزلت هذه الآية في يوم الأحزاب وهي غزوة الخندق أصاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ وأصحابه بلاء وحصر، وقيل نزلت في غزوة أحد، وقيل غير ذلك. وقال ابن عباس: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه وصفوته لتطيب أنفسهم، والمعنى أنه بلغ بهم الجهد والشدة والبلاء ولم يبق لهم صبر، وذلك هو الغاية القصوى في الشدة، فلما بلغ الحال في الشدة إلى هذه الغاية واستبطؤوا النصر قيل لهم. (ألا إن نصر الله قريب) إجابة لهم في طلبهم، والمعنى هكذا كان حالهم لم يغيرهم طول البلاء والشدة عن دينهم إلى أن يأتيهم نصر الله، فكونوا يا معشر المسلمين كذلك، وتحملوا الأذى والشدة والمشقة في طلب الحق، فإن نصره سبحانه قريب إتيانه لا بعيد، وفيه إشارة إلى أن المراد بالقرب القرب الزماني، وفي إيثار الجملة الاسمية على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد من الدلالة على تحقق مضمونها وتقرر ما لا يخفى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب