الباحث القرآني

(أولئك) أي الذين هذه صفتهم وما فيه من البعد للإشعار بعلو درجتهم ورفعة مرتبتهم في الفضل وهو مبتدأ وخبره (على هدى من ربهم) أي على رشاد ونور، وقيل على استقامة منحوها من عنده وأوتوها من قبله، وهو اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير والترقي إلى الأفضل فالأفضل والإبهام المفهوم من التنكير في (هدى) لكمال تفخيمه أي على هدى أي هدى، لا يبلغ كنهه ولا يقادر قدره، وهذا كلام مستأنف بياني، ويمكن أن يكون خبراً عن الذين يؤمنون بالغيب فيكون متصلاً بما قبله. قال في الكشاف: قوله (وعلى هدى) مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به، شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه، ونحوه هو على الحق وعلى الباطل، وقد صرحوا بذلك في قوله جعل الغواية مركباً، وامتطى الجهل، واقتعد غارب الهوى اهـ. وقال أبو السعود وإيراد كلمة الاستعلاء على استعارتها لتمسكهم بالهدى ْاستعارة تبعية متفرعة على تشبيهه باعتلاء الراكب واستوائه على مركوبه أو على جعلها قرينة للاستعارة بالكناية بين الهدى والمركوب للإيذان بقوة تمكنهم منه، وكمال رسوخهم فيه انتهى. وقال الخفاجي الاستعارة في الحرف تبعية متعلقة وهو المعنى الكلي الشامل له كما حققوه والتمثيل ضرب المثل والإتيان بمثال ومطلق التشبيه والمركب منه، وهذا ظاهر لا نزاع فيه، وإنما النزاع في الاستعارة التبعية هل تكون تمثيلية أم لا، فذهب الفاضل المحقق إلى جوازه متمسكاً بما صرح العلامة في مواضع من كشافه كما صرح به هنا وقد سبقه إليه الطيبي، وقال إنه مسلك الشيخين الزمخشري والسكاكي ولم يرتضه المدقق في الكشف، فأول ما في عباراتهم وتبعه فيه السيد وشنع على الفاضل حتى كأنه أبو عذرته وهي المعركة العظمى التي عقدت لها المجالس، وصنفت فيها الرسائل ما هو أشهر من " قفا نبك ". والحاصل أن استعارة " على " استعارة تبعية تستلزم كون الاستعلاء مشبهاً به وتركب الطرفين يستلزم أن لا يكون مشبهاً به فلا يجتمعان. ومن الفضلاء من رده، وانتصر للسعد سعد جده فقال هو ممنوع. والحاصل أنه يجري في الحرف التمثيل بمعنى انتزاع الحالة من الأمور المتعددة ولا يجري فيه التشبيه في المفصل المركب قصداً. والذي يخطر بالبال، بعد طي شقة القيل والقال، أن الخلاف بينهم في حرف واحد إذ لا خلاف في أن التمثيل التفصيلي المعروف يستدعي تركب الطرفين حقيقة، وأن التمثيل الآخر الذي هو محل النزاع هل يشترط فيه التركيب بعد الاتفاق على أنه لا يلزم التصريح بأجزائه لفظاً ولا تقديراً فذهب الشريف إلى أنه يشترط فيه أن تكون أجزاؤه مرادة منوية فلا يكون ما اقتصر عليه من الحرف ونحوه مما هو عمدة المعنى المجازي مستعملاً في معنى مجازي، بل حقيقة وإلا كان مجازاً مفرداً لا تمثيلاً، أو لا يشترط فيه ذلك بك يكفي تركب المأخذ المنتزع منه ذلك، ويكون الحرف المذكور مع ما يدل عليه بالالتزام من طرفي التشبيه وما يتممه متجوزاً فيه وإلا لم يصح دخول (على) على الهدى كما مشى عليه السعد، ومن مشى على جادته. فالنزاع كاللفظي انتهى حاصله. قلت: وقد أطال المحققون الكلام على هذا بما لا يتسع له المقام، واختلف من بعدهم في ترجيح الراجح من القولين، وقد جمع العلامة الشوكاني في ذلك رسالة مستقلة سماها الطود المنيف، في ترجيح ما قاله السعد على ما قاله الشريف، فليرجع إليها من أراد أن يتضح له المقام، ويجمع بين أطراف الكلام على التمام، وحاصلها أن الحق في جانب السعد وأن الصواب بيده، وقد تقدمه إلى مثل هذا العلوي في حاشيته على الكشاف، وليس للسعد فيه زيادة على ما يفيده كلام الزمخشري إلا مجرد الإيضاح، ولم يأت بشيء من طرفه يستحق المؤاخذة عليه انتهى. أقول فالحق اجتماع الاستعارة التبعية والتمثيلية، وذلك هو محل النزاع وقد اعترف الشريف بأن المقام صالح لهما لكن ادعى امتناع اجتماعهما، ويدلك على أن الاستعارة التبعية تمثيلية الاستقراء، وبه يشعر قول إمام الفن السكاكي صاحب المفتاح، وهذا صريح فيما صرح به السعد والله أعلم. (وأولئك) في تكرير إسم الإشارة دلالة على أن كُلاَّ من الهداية الماضية والفلاح الآتي بحيث لو انفرد أحدهما لكفى مميزاً على حياله. (هم المفلحون) أي المنجحون الناجون الفائزون نجوا من النار، وفازوا بالجنة، والفلح الظافر بالمطلوب، والفلاح أصله في اللغة الشق والقطع قاله أبو عبيد، قال القرطبي: وقد يستعمل في الفوز والبقاء وهو أصله أيضاً في اللغة فمعناه الفائزون بالجنة، والباقون فيها، وقال في الكشاف: المفلح الفائز بالبغية كأنه الذي أنفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه، انتهى. وقد استعمل الفلاح في السحور، ومنه الحديث الذي رواه أبو داود " حتى كاد يفوتنا الفلاح قلت ما الفلاح؟ قال السحور: وكأن معنى الحديث أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سمي فلاحاً، وضمير الفصل ويسمى عماداً له فوائد ذكرها الخفاجي منها الدلالة على اختصاص المسند إليه بالمسند دون غيره، وقد ورد في فضل هذه الآيات الشريفة أحاديث. ثم ذكر سبحانه فريق الشر بعد الفراغ من ذكر فريق الخير قاطعاً لهذا الكلام عن الكلام الأول معنوناً له بما يفيدان شأن جنس الكفرة عدم إجداء الإنذار لهم، وأنه لا يترتب عليه ما هو المطلوب منهم من الإيمان وأن وجود ذلك كعدمه فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب