الباحث القرآني

(قال فاذهب) من بيننا (فإن لك في الحياة) أي ما دمت حياً وما عشت (أن تقول) لمن رأيته (لا مساس) أي لا تقربني وهو مأخوذ من المماسة أي لا يَمَسُّك أحد ولا تَمَسُّ أحداً، لكن لا بحسب الاختيار منك بل بموجب الاضطرار الملجئ إلى ذلك، لأن الله سبحانه أمر موسى أن ينفي السامري عن قومه وأمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له ولا شيء أوحش منها ولا أعظم في الدنيا. ويقال إن قومه باقية فيهم تلك الحالة إلى اليوم، قيل إنه لما قال له موسى ذلك هرب فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش ولا يجد أحداً من الناس يمسه حتى صار كمن يقول لا مساس لبعده عن الناس وبعد الناس عنه، قال الجوهري في الصحاح، وأما قول العرب: لا مساس مثل قطام فإنما بني على الكسر لأنه معدول عن المصدر وهو المس إهـ. ولا مساس مصدر ماس [[وأصلها قبل الإدغام: ماسس.]] كقتال من قاتل فهو يقتضي المشاركة وهو مبني مع لا الجنسية؛ والمراد به النهي أي لا تمسني ولا أمسك وحاصل ما قيل في معنى لا مساس ثلاثة أوجه. الأول: أنه حرم عليه مماسة الناس وكان إذا مسه أحد حم الماس والممسوس فلذلك كان يصيح إذا رأى أحداً: لا مساس. والثاني: أن المراد منع الناس من مخالطته، واعترض بأن الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول هو لا مساس، وإنما يقال له ذلك وأجيب بأن المراد الحكاية أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك قلت لا مساس. الثالث: أن المراد انقطاع نسله وأن يخبر بأنه لا يتمكن من مماسة المرأة قاله أبو مسلم وهو ضعيف جداً ويقال: إن موسى هم بقتل السامري، فقال الله تعالى لا تقتله فإنه سخي نقله القرطبي؛ وهذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وأن لا يخالطوا قاله الكرخي، ثم ذكر حاله في الآخرة فقال: (وإن لك موعداً لن تخلفه) بفتح اللام وبالفوقية مبنياً للمفعول أي لن يخلفك الله ذلك الموعد وهو يوم القيامة والموعد مصدر أي إن لك وعداً لعذابك وهو كائن لا محالة، قال الزجاج: أي يكافئك الله على ما فعلت في القيامة والله لا يخلف الميعاد، وقرئ لن تخلفه بكسر اللام وله معنيان أحدهما ستأتيه ولن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه ولن تجده مخلفاً، كما تقول أحمدته أي وجدته محموداً، والثاني على التهديد أي لا بد لك أن تصير إليه، ولن يخلف الله موعده الذي وعدك بل توافيه وسيصل إليك، ولن تستطيع الروغان ولا الحيدة عنه، وقرئ لن نخلفه بالنون أي لن يخلفه الله. (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً) أصله ظللت، وقرئ بكسر الظاء أي دمت وأقمت على عبادته، قاله ابن عباس والعاكف الملازم. (لنحرقنه) بالنار قرئ بضم النون وتشديد الراء من حرقه يحرقه وقرئ بتخفيف الراء من أحرقه يحرقه، ومن حرقت الشيء أحرقه حرقاً، إذا بردته وحككت بعضه ببعض أي لنبردنه بالمبارد، ويقال للمبرد المحرق والقراءة الأولى أولى، ومعناها الإحراق بالنار، وكذلك معنى الثانية، وقد جمع بين هذه الثلاث القراءات بأنه أحرق؛ ثم برد بالمبرد، وفي قراءة ابن مسعود لنذبحنه ثم لنحرقنه واللام هي الموطئة للقسم. (ثم لننسفنه في اليم نسفاً) قال ابن عباس. أي لنذرينه في هواء البحر بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر، والمقصود من ذلك زيادة عقوبته وإظهار غباوة المفتنين به لمن له أدنى نظر، والنسف نقض الشيء لتذهب به الريح، وقرئ بضم السين وبكسرها وهما لغتان، والمِنْسَف ما ينسف به الطعام وهو شيء منصوب الصدر أعلاه مرتفع والنسافة ما يسقط منه، والنسف التفرقة والتذرية، وقيل قلع الشيء من أصله، واليم البحر قاله ابن عباس، وقال عليّ: النهر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب