الباحث القرآني

(يعظكم الله)، والسابع (إن الذين يحبون) والثامن (ولولا فضل الله عليكم) والتاسع (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان -إلى سميع عليم-). ومعنى الآية كان ينبغي للمؤمنين حين سمعوا مقالة أهل الإفك أن يقيسوا ذلك على أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد فيهم فهو في أم المؤمنين أبعد. وقيل كان ينبغي لكم بمجرد سماعه أن تحسنوا الظن في أم المؤمنين، فضلاً عن أن تتمادوا في سماعه؛ فضلاً أن تصرّوا عليه بعد السماع. قال الحسن: معنى بأنفسهم بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة في اشتراك الكل في الإيمان، ألا ترى إلى قوله: (ولا تقتلوا أنفسكم)؟. قال الزجاج: وكذلك يقال للقوم الذين يقتل بعضهم بعضاً أنهم يقتلون أنفسهم. قال المبرد: ومثله قوله تعالى: (فاقتلوا أنفسكم) قال النحاس: معنى (بأنفسهم) بإخوانهم. وقيل بأبناء جنسهم، فأوجب الله سبحانه على المسلمين إذا سمعوا رجلاً يقذف أحداً ويذكره بقبيح لا يعرفونه به أن ينكروا عليه ويكذبوه وإنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر ولم يقل ظننتم بأنفسكم خيراً، وقلتم ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات وليدل التصريح بلفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن، وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما يسمعه بإخوانه، وكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع. قال العلماء: في الآية دليل على أن درجة الإيمان والعفاف لا يزيلها الخبر المحتمل وإن شاع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب، أكنت أنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله، قال: فعائشة خير منك وأطيب، إنما هذا كذب وإفك باطل، فلما نزل القرآن ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك، ثم قال: (لولا إذ سمعتموه) الآية، أي كما قال أبو أيوب وصاحبته. وقال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وقبيصة: يجلد ثمانين قال القرطبي: وأجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى عليه لتباين مرتبتهما. وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: " أن من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن تكون كما قال " [[مسلم 1660 - البخاري 2520.]] وشرائط الإحصان خمسة: الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنا؛ والمحصن كالمحصنة في وجوب حد القذف؛ وبسط الكلام في هذا في كتب الفروع. ثم ذكر سبحانه شرطاً لإقامة الحد على من قذف المحصنات فقال: (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) يشهدون عليهن بوقوع الزنا منهن برؤيتهم. ولفظ (ثم) يدل على أنه يجوز أن تكون شهادة الشهود في غير مجلس القذف. وبه قال الجمهور. وخالف في ذلك مالك. وظاهر الآية أنه يجوز أن تكون الشهود مجتمعين ومفترقين، وخالف في ذلك الحسن ومالك، وإذا لم يكمل الشهود أربعة كانوا قذفة يحدون حد القذف. وقال الحسن والشعبي: إنه لا حد على الشهود ولا على المشهود عليه. وبه قال أحمد وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن، ويرد ذلك ما وقع في خلافة عمر رضي الله عنه من جلده للثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنا، ولم يخالف في ذلك أحد في الصحابة. وقد اختلف في إعراب (شهداء) على أقوال، ثم بين الله سبحانه ما يجب على القاذف فقال: (فاجلدوهم) أي كل واحد منهم (ثمانين جلدة) الجلد الضرب كما تقدم والمجالدة المضاربة في الجلود أو بالجلود، ثم استعير للضرب بالعصا والسيف وغيرهما، وقد تقدم بيان الجلد قريباً. (ولا تقبلوا لهم شهادة) أي فاجمعوا لهم بين الأمرين، الجلد وترك قبول الشهادة في شيء لأنهم قد صاروا بالقذف غير عدول بل فسقة كما حكم الله به عليهم في آخر هذه الآية. ومعنى (أبداً) ما داموا في الحياة، ثم بين سبحانه حكمهم بعد صدور القذف منهم وإصرارهم عليه وعدم رجوعهم إلى التوبة فقال: (وأولئك هم الفاسقون) لإتيانهم كبيرة، وهذه الجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها، والفسق هو الخروج عن الطاعة ومجاوزة لحد المعصية، وفيه دليل على أن القذف من الكبائر لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب كبيرة، ثم بين الله سبحانه أن هذا التأييد لعدم قبول شهادتهم هو مع عدم التوبة فقال: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك) أي من بعد اقترافهم لذنب القذف (وأصلحوا) أعمالهم التي من جملتها ذنب القذف ومداركة ذلك بالتوبة والانقياد للحد (فإنّ الله غفور رحيم) يغفر ذنوبهم ويرحمهم، وقد اختلف أهل العلم في هذا الاستثناء هل يرجع إلى الجملتين قبله؟ وهي عدم قبول الشهادة، والحكم عليهم بالفسق، أم إلى الجملة الأخيرة وهذا الاختلاف بعد اتفاقهم على أنه لا يعود إلى جملة الجلد بل يجلد التائب كالمصرّ وبعد إجماعهم أيضاً على أن الاستثناء يرجع إلى جملة الحكم بالفسق فمحل الخلاف هل يرجع إلى جملة عدم قبول الشهادة أم لا؛ فقال الجمهور: إن هذا الاستثناء يرجع إلى الجملتين، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه الفسق لأن سبب ردها هو ما كان متصفاً به من الفسق بسبب القذف فإذا زال بالتوبة بالإجماع كانت الشهادة مقبولة. وقال القاضي شريح وإبراهيم النخعي والحسن البصري وسعيد بن جبير ومكحول وابن زيد وسفيان الثوري وأبو حنيفة: إن هذا الاستثناء يعود إلى جملة الحكم بالفسق لا إلى جملة عدم قبول الشهادة فيرتفع بالتوبة عن القاذف وصف الفسق ولا تقبل شهادته أصلاً. وذهب الشافعي والضحاك إلى التفصيل فقالا: لا تقبل شهادته وإن تاب. إلا أن يعترف على نفسه بأنه قد قال البهتان فحينئذ نقبل شهادته، وقول الجمهور هو الحق لأن تخصيص التقييد بالجملة الآخرة، دون ما قبلها مع كون الكلام واحداً في واقعة شرعية من متكلم واحد خلاف ما تقتضيه لغة العرب، وأولوية الجملة الأخيرة المتصلة بالقيد بكونه قيداً لها لا تنفي كونه قيداً لا قبلها، غاية الأمر أن تقييد الأخيرة بالقيد المتصل بها أظهر من تقييد ما قبلها به، ولهذا كان مجمعاً عليه وكونه أظهر لا ينافي كونه فيما قبلها ظاهر. وقد أطال أهل الأصول الكلام في القيد الواقع بعد جمل، كلا هو معروف عند من يعرف ذلك الفن، والحق هو هذا، والاحتجاج بما وقع تارة من القيود فإن الإيمان يقتضي عدم الوقوع في مثله ما دمتم أحياء، وفيه تهييج عظيم وتقريع بالغ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب