الباحث القرآني

(أفي قلوبهم مرض) هذه الهمزة للتوبيخ والتقريع لهم، والمرض النفاق أي أكان هذا الإعراض منهم بسبب النفاق الكائن في قلوبهم وقيل مرض أي كفر وميل إلى الظلم (أم ارتابوا) وشكوا في أمر نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وعدله في الحكم، أو رأوا منه تهمة فزال ثقتهم ويقينهم به. (أم يخافون أن يخيف الله عليهم ورسوله) في الحكومة، والحيف الميل في الحكم يقال حاف في قضيته أي جار فيما حكم به، ثم أضرب عن ضرب هذه الأمور التي صدرها بالاستفهام الإنكاري فقال (بل أولئك هم الظالمون) أي ليس ذلك لشيء مما ذكر بل لعنادهم وظلمهم فإنه لو كان الإعراض لشيء مما ذكر لما أتوا إليه مذعنين إذا كان الحق لهم. وقيل إضراب عن القسمين الأخيرين، لتحقق القسم الأول، ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون محققاً عندهم، أو متوقعاً، وكلاهما باطل لأن منصب نبوته، وفرْط أمانته صلى الله عليه وآله وسلم يمنعه، فتعين الأول. وظلمهم يعم خلل عقيدتهم، وميل نفوسهم إلى الحيف. وضمير الفصل لنفي ذلك عن غيرهم، سيما المدعو إلى حكمه. قاله البيضاوي. وفي هذه الآية دليل على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله العادل في حكمه لأن العلماء ورثة الأنبياء، والحكم من قضاة الإسلام العالمين بحكم الله العارفين بالكتاب والسنة العادلين في القضاء، هو حكم بحكم الله ورسوله، الداعي إلى التحاكم إليهم قد دعا إلى الله وإلى رسوله أي إلى حكمهما. قال ابن خواز منداد: واجب على كل من دعى إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق قال القرطبي: في هذه الآية دليل على وجوب إجابة الداعي إلى الحاكم لأن الله سبحانه ذم من دعى إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه، فأعرض بأقبح ذم، فقال (أفي قلوبهم مرض) الآية انتهى فإن كان القاضي مقصراً لا يعلم بأحكام الكتاب والسنة، ولا يعقل حجج الله، ومعاني كلامه وكلام رسوله بل كان جاهلاً جهلاً بسيطاً. وهو من لا علم له بشيء من ذلك، أو جهلاً مركباً، وهو من لا علم عنده بما ذكرنا، ولكنه قد عرف بعض اجتهادات المجتهدين، واطلع على شيء من علم الرأي، فهذا في الحقيقة جاهل، وإن اعتقد أنه يعلم بشيء من العلم فاعتقاده باطل. فمن كان من القضاة هكذا فلا تجب الإجابة إليه، لأنه ليس ممن يعلم بحكم الله ورسوله حتى يحكم به بين المتخاصمين إليه بل هو من قضاة الطاغوت وحكام الباطل، فإن ما عرفه من علم الرأي إنما رخص في العمل به للمجتهد الذي هو منسوب إليه عند عدم الدليل من الكتاب والسنة، ولم يرخص فيه لغيره ممن يأتي بعده، وإذا تقدر لديك هذا، وفهمته حق فهمه، علمت أن التقليد والانتساب إلى عالم من العلماء دون غيره .. والتعبد بجميع ما جاء به من رواية ورأى وإهمال ما عداه، من أعظم ما حدث في هذه الملة الإسلامية من البدع المضلة والفواقر الموحشة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد أوضحت هذا في كتابي الجنة وأوضحه الشوكاني في القول المفيد، وأدب الطلب وغيره في غيرهما فمن أراد أن يقف على حقيقة هذه البدعة التي طبقت الأقطار الإسلامية فليرجع إليها، وعن الحسن في الآية قال: إن الرجل كان يكون بينه وبين الرجل خصومة أو منازعة. على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا دعي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو محق أذعن وعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سيقضي له بالحق. وإذا أراد أن يظلم فدعى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرض. وقال: انطلق إلى فلان فأنزل الله سبحانه (وإذا دعوا إلى الله ورسوله) إلى قوله: (هم الظالمون) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من كان بينه وبين أخيه شيء فدعاه إلى حكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم لا حق له " أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. قال ابن كثير: [[ابن كثير 3/ 298.]] بعد أن ساق هذا المتن ما لفظه وهذا حديث غريب وهو مرسل: وقال ابن العربي: هذا حديث باطل فأما قوله فهو ظالم فكلام صحيح وأما قوله فلا حق له فلا يصح ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق انتهى. وأقول: وأما كون الحديث مرسلاً فظاهر وأما ما دعوى كونه باطلاً فمحتاجة إلى برهان فقد أخرجه ثلاثة من أئمة الحديث كما ذكرنا ويبعد كل البعد أن يتفقوا على ما هو باطل وليس في إسناده عند ابن أبي حاتم كذاب ولا وضاع ويشهد له ما أخرجه الطبراني عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فمن دعي إلى سلطان فلم يجب فهو ظالم لا حق له " انتهى، ولا يخفاك أن قضاة العدل، وحكام الشرع الذين هم على الصفة التي قدمنا لك قريباً. هم سلاطين الدين المترجمون عن الكتاب والسنة، المبينون للناس ما نزل إليهم. ثم لما ذكر ما كان عليه أهل النفاق، أتبعه بما يجب على المؤمنين أن يفعلوه إذا دعوا إلى حكم الله ورسوله، فقال:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب