الباحث القرآني

(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولمن معه و (من) للبيان. وقيل: للتبعيض والجملة مقررة لما قبلها، من أن طاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبب لهدايتهم وهذا وعد من الله سبحانه لمن آمن بالله وعمل الأعمال الصالحات بالاستخلاف لهم، كما قال سبحانه. (ليستخلفنهم في الأرض) بدلاً عن الكفار، وهو وعد يعم جميع الأمة، وقيل هو خاص بالصحابة، ولا وجه لذلك فإن الإيمان، وعمل الصالحات لا يختص بهم. بل يمكن وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة. ومن عمل بكتاب الله وسنة رسوله فقد أطاع الله ورسوله. واللام في (ليستخلفنهم) جواب لقسم محذوف أو جواب للوعد، وتنزيله منزلة القسم لأنه ناجز لا محالة والمعنى ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف الملوك في مملوكاتهم، وقد أبعد من قال إنها مختصة بالخلفاء الأربعة أو بالمهاجرين أو أن المراد بالأرض أرض مكة. وقد عرفت أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال ابن العربي: إنها بلاد العرب والعجم وهو الصحيح لأن أرض مكة محرمة على المهاجرين ففي الحديث لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن توفي بمكة وقال في الصحيح أيضاً يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً، وظاهر قوله (كما استخلف الذين من قبلهم) كل من استخلفه الله في أرضه فلا يخص ذلك بني إسرائيل ولا أمة من الأمم دون غيرها قرئ على البناء للفاعل والمفعول. (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) معطوفة على ليستخلفنهم داخلة تحت حكمه كائنة من جملة الجواب، والمراد بالتمكين هنا التثبيت والتقرير أي يجعله الله ثابتاً مقرراً ويوسع لهم في البلاد ليملكوها ويظهر دينهم على جميع الأديان، والمراد بالدين هنا الإسلام كما في قوله (ورضيت لكم الإسلام ديناً)، ذكر سبحانه وتعالى الاستخلاف لهم أولاً وهو جعلهم ملوكاً، وذكر التمكين ثانياً فأفاد ذلك أن هذا الملك ليس على وجه العروض والطروّ بل على وجه الاستقرار والثبوت بحيث يكون الملك لهم ولعقبهم من بعدهم. (وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً) معطوفة على التي قبلها وقرئ من أبدل ومن بدل وهما لغتان وزيادة البناء تدل على زيادة المعنى فقراءة التشديد أرجح من التخفيف، وزعم ثعلب أن بينهما فرقاً، وأنه يقال بدلته أي غيرته وأبدلته أزلته وجعلت غيره مكانه قال النحاس: وهذا القول صحيح والمعنى أنه سبحانه يجعل لهم مكان ما كانوا فيه من الخوف من الأعداء أمناً ويذهب عنهم أسباب الخوف الذي كانوا فيه بحيث لا يخشون إلا الله سبحانه ولا يرجون غيره. وقد كان المسلمون قبل الهجرة وبعدها بقليل في خوف شديد من المشركين، لا يخرجون إلا في السلاح، ولا يمسون ولا يصبحون إلى على ترقب لنزول المضرة بهم من الكفار، ثم صاروا في غاية الأمن، والدعة وأذل الله لهم شياطين المشركين وفتح عليهم البلاد ومهد لهم في الأرض ومكنهم منها فللَّه الحمد. وعن البراء قال: فينا نزلت ونحن في خوف شديد، وعن أبي العالية قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحواً من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وإلى عبادته وحده لا شريك له سراً وهم خائفون، ولا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة فأمرهم الله بالقتال وكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فغبروا بذلك ما شاء الله، ثم أن رجلاً من أصحابه قال: يا رسول الله ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لن تغبروا إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليست فيهم حديدة " فأنزل الله وعد الله الذين آمنوا إلى آخر الآية فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فأمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله قبض نبيه فكانوا كذلك آمنين في زمان أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم. حتى وقعوا فيما وقعوا وكفروا النعمة فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفع عنهم واتخذوا الحجر والشرط وغيروا فغير ما بهم. وعن أُبيّ بن كعب قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة كانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه. فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله، فنزلت هذه الآية، وأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وافتتحوا أبعد بلاد المشرق والمغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم واستولوا على الدنيا. وفي الآية أوضح دليل على صحة خلافة أبي بكر الصديق، والخلفاء الراشدين بعده لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم وفي أيامهم كانت الفتوحات العظيمة وفتحت كنوز كسرى وغيره من الملوك وحصل الأمن والتمكين وظهور الدين، وعن سفينة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً ثم قال: أمسك خلافة أبي بكر سنتين وخلافة عمر عشر سنين وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة وعلي ستاً قال علي: قلت لحماد القائل لسعيد: أمسك سفينة قال: نعم. أخرجه [[أبو داوود كتاب السنة باب 8 - الترمذي، كتاب الفتن باب 48.]] أبو داود والترمذي. قلت وفيه إجمال، تفصيله أن خلافة أبي بكر كانت سنتين وثلاثة أشهر وخلافة عمر كانت عشر سنين وستة أشهر وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر وعلى هذا تكون مدة خلافة الأئمة الأربعة تسعة وعشرين سنة وستة أشهر وكملت ثلاثين سنة بخلافة الحسن وكانت ستة أشهر ثم نزل عنها والله أعلم. وجملة (يعبدونني) حالية أو مستأنفة مسوقة للثناء عليهم، وفيه أوجه سبعة ذكرها السمين (لا يشركون بي شيئاً) أي يعبدونني غير مشركين بي في العبادة شيئاً من الأشياء. وقيل معناه لا يراؤن بعبادتي أحداً، وقيل معناه لا يخافون أحداً غيري قاله ابن عباس وقيل معناه لا يحبون غيري. (ومن كفر) هذه النعم (بعد ذلك) الوعد الصحيح، أي: من استمر على الكفر أو من كفر بعد الإيمان (فأولئك هم الفاسقون) أي الكاملون في الفسق وهو الخروج عن الطاعة، والطغيان في الكفر وعن مجاهد قال: الفاسقون العاصون. وعن أبي العالية قال: الكفر بهذه النعمة ليس الكفر بالله، ولذلك قال الفاسقون ولم يقل الكافرون. قال أهل التفسير: أو من كفر بهذه النعمة، وجحد حقها الذين قتلوا عثمان فلما قتلوه غير الله ما بهم من الأمن وأدخل عليهم الخوف حتى صاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخواناً والقصة معروفة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب