الباحث القرآني

(قل ما يعبأ بكم ربي) بين سبحانه أنه غني عن طاعة الكل، وإنما كلفهم لينتفعوا بالتكليف، يقال ما عبأت بفلان، أي ما بالميت به ولا له عندي قدر وأصل يعبأ من العبء، وهو الثقل. قال الخليل: ما أعبأ بفلان أي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره، ويدعي أن وجوده وعدمه سواء، وكذا قال أبو عبيدة. قال الزجاج: ما يعبأ بكم ربي، يريد أي وزن يكون لكم عنده، أو ما يصنع بكم، أو بعذابكم والعبء الثقل و (ما) استفهامية أو نافية، وصرح الفراء بإنها استفهامية قال ابن الشجري: وحقيقة القول عندي أن موضع (ما) نصب، والتقدير: أي عبء يعبأ بكم؟ أي أيُّ مبالاة يبالي بكم؟ وأيُّ اعتداد يعتد بكم؟. (لولا دعاؤكم) أي لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه، وعلى هذا فالمصدر الذي هو الدعاء مضاف إلى مفعوله، وهو اختيار الفراء، وفاعله محذوف، وجواب لولا محذوف تقديره لولا دعاؤكم لم يعبأ بكم ويؤيد هذا قوله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) والخطاب لجميع الناس وعن ابن عباس في الآية قال، يقول لولا إيمانكم فأخبر الله سبحانه أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كانت له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين وقيل إن المصدر مضاف إلى الفاعل أي لولا استغاثتكم إليه في الشدائد. وقيل المعنى ما يعبأ بكم أي بمغفرة ذنوبكم لولا دعاؤكم الآلهة معه وممن قال إن الدعاء مضاف إلى الفاعل القتيبي والفارسي، قالا والأصل لولا دعاؤكم آلهة من دونه، وجواب لولا محذوف أي لولا دعاؤكم لم يعذبكم، قال أبو السعود: أمر رسوله بأن يبين للناس أن الفائزين بتلك النعماء الجليلة التي يتنافس فيها المتنافسون إنما نالوها بما عدد من محاسنهم، ولولاها لم يعتد بهم أصلاً، يعني إنما اكترث بأولئك وعبأ بهم وأعلى ذكرهم لأجل عبادتهم وحدها لا لمعنى آخر، ولولا عبادتهم لم يكترث بهم البتة ولم يعتد بهم ولم يكونوا عنده شيئاًً يبالي به قاله الزمخشري. ثم خصّ الكفار منهم فقال (فقد كذّبتم) وقرأ ابن الزبير فقد كذب الكافرون وبه قرأ ابن عباس وابن مسعود كما حكاه ابن جني وفي هذه القراءة دليل بين على أن الخطاب لجميع الناس ويكون معنى فقد كذبتم على الأول فقد كذبتم ما دعيتم إليه وعلى الوجه الثاني فقد كذبتم بالتوحيد، ثم قال سبحانه (فسوف يكون لزاماً) أي يكون جزاء التكليف لازماً لكم، وجمهور المفسرين على أن المراد باللزام هنا ما لزم المشركين يوم بدر، وبه قال ابن مسعود وقالت طائفة هو عذاب الآخرة، قال أبو عبيد: لزاماً فيصلاً بينكم وبين المؤمنين، وقال الزجاج: يكون تكذيبكم لزاماً يلزمكم فلا تعطون التوبة، وجمهور القراء على كسرة اللام من لزاماً قال ابن جرير: لزاماً عذاباً دائماً وهلاكاً مفنياً يلحق بعضكم بعضاً، وقرأ أبو السماك لزاماً بفتح اللام قال أبو جعفر: يكون مصدر لزم والكسر أولى قال ابن عباس: لزاماً موتاً وقيل وبالاً. وفي الصحيحين عنه قال: " قد مضين " أي خمس علامات دالات [[مسلم 2798 - البخاري 570.]] على قيام الساعة الدخان والقمر والروم والبطشة واللزام.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب