الباحث القرآني

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) (ولقد صدقكم الله وعده) نزلت لما قاله بعض المسلمين من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر، وذلك أنه كان الظفر لهم في الابتداء حتى قتلوا صاحب لواء المشركين وتسعة نفر بعده، فلما اشتغلوا بالغنيمة وترك الرماة مركزهم طلباً للغنيمة كان ذلك سبب الهزيمة. (إذ تحسونهم) والحس الاستئصال بالقتل أي تستأصلوهم قتلاً، يقال جراد محسوس إذا قتله البرد. وسنة حسوس أي جدبة تأكل كل شيء، قيل وأصله من الحس الذي هو الإدراك بالحاسة فمعنى حسّه أذهب حسه بالقتل. قال الكرخي: المراد به هنا البصر ثم وضع موضع العلم والوجود ومنه قوله تعالى: (فلما أحس عيسى منهم الكفر) أي علم، ومنه قوله (هل تحس منهم من أحد) أي ترى وبمعنى الطلب، ومنه قوله (فتحسّسوا من يوسف) أي اطلبوا خبره انتهى. (بإذنه) أي بعلمه أو بقضائه (حتى إذا فشلتم) أي جبنتم وضعفتم، قيل جوابه مقدر امتحنتم، وقال الفراء جوابه (وتنازعتم) والواو مقحمة زائدة كقوله: (فلما أسلما وتلّه للجبين) وقال أبو علي: جوابه صرفكم عنهم الآتي. وقيل فيه تقديم وتأخير أي حتى إذا تنازعتم (في الأمر وعصيتم) فشلتم. وقيل إن الجواب وعصيتم والواو مقحمة، وقد جوز الأخفش مثله في قوله تعالى (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم)، وقيل حتى بمعنى إلى وحينئذ لا جواب لها، وإذا هذه على بابها، والتنازع المذكور هو ما وقع من الرماة حين قال بعضهم نلحق الغنائم، وقال بعضهم نثبت في مكاننا كما أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومعنى (من بعد ما أراكم) ما وقع لهم من النصر في الابتداء في يوم أحد كما تقدم، قال ابن عباس: من بعد ما أراكم يعني الغنائم وهزيمة القوم، قال عروة: كان الله وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وكان قد فعل، فلما عصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتركوا مصافّهم وتركت الرماة عهد الرسول إليهم أن لا يبرحوا منازلهم، وأرادوا الدنيا، رفع عنهم مدد الملائكة، وقصة أحد مستوفاة في كتب السير والتواريخ فلا حاجة لإطالة الشرح هنا. (ما تحبون) من النصر والظفر يا معشر المسلمين (منكم من يريد الدنيا) يعني الغنيمة فترك المركز لها (ومنكم من يريد الآخرة) أي الأجر بالبقاء في مركزه امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فثبت به حتى قتل كعبد الله بن جبير وأصحابه. (ثم صرفكم عنهم) أي ردكم عن المشركين بالهزيمة بعد أن استوليتم عليهم (ليبتليكم) أي ليمتحنكم فيظهر المخلص من غيره، وقيل لينزل عليكم البلاء لتتوبوا إليه وتستغفروه، والأول أولى. (ولقد عفا عنكم) ما ارتكبتموه تفضلاً لما علم من ندمكم فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، والخطاب لجميع المنهزمين وقيل للرماة فقط (والله ذو فضل على المؤمنين) بالعفو، وفي الآية دليل على أن صاحب الكبيرة مؤمن.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب