الباحث القرآني

(يا مريم اقنتي لربك) أي أطيلي القيام في الصلاة أو ادعيه ودومي على طاعته بأنواع الطاعات، وقد تقدم الكلام في معاني القنوت (واسجدي واركعي مع الراكعين) أي صلي مع المصلين، أطلق الجزء وأراد الكل وقدم السجود على الركوع لكونه أفضل أو لكون صلاتهم لا ترتيب فيها مع كون الواو لمجرد الجمع بلا ترتيب، والظاهر أن ركوعها مع ركوعهم فيدل على مشروعية صلاة الجماعة، وقيل المعنى أنها تفعل كفعلهم وإن لم تصل معهم، قال الأوزاعي لما قالت الملائكة لها ذلك شفاها قامت حتى تورمت قدماها وسالت دماً وقيحاً، وحكي عن مجاهد نحوه. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث علي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد [[مسلم 2430، البخاري 1602.]] " وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أفضل نساء العالمين خديجة وفاطمة ومريم وآسية امرأة فرعون [[كتاب التاريخ 2/ 594.]] ". وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام [[مسلم 2431، البخاري 1606.]]. وفي المعنى أحاديث كثيرة تفيد أن مريم عليها السلام سيدة نساء عالمها لا نساء العالم، ويؤيده ما أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أربع نسوة سادات نساء عالمهن مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأفضلهن عالما فاطمة. (ذلك من أنباء الغيب) أي أخبار ما غاب عنك، فالإشارة إلى ما سبق من الأمور التي أخبره الله بها (نوحيه إليك) هو أي الأمر والشأن أنا نوحي إليك الغيب ونعلمك به، ونظهرك على قصص من تقدم مع عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار، ولذلك أتى بالمضارع في (نوحيه) وهذا أحسن من عوده على (ذلك)، وقال أبو السعود: صيغة الاستقبال للإيذان بأن الوحي لم ينقطع بعد، انتهى، والوحي في اللغة الإعلام في خفاء، يقال وحى وأوحى بمعنى، قال ابن فارس: الوحي الإشارة والكتابة والرسالة وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى يعلمه. (وما كنت لديهم) أي بحضرتهم يعني المتنازعين في تربية مريم، وإنما نفى حضوره عندهم مع كونه معلوماً لأنهم أنكروا الوحي، فلو كان ذلك الإنكار صحيحاً لم يبق طريق للعلم به إلا المشاهدة والحضور وهم لا يدعون ذلك، فثبت كونه وحياً مع تسليمهم أنه ليس ممن يقرأ التوراة ولا من يلابس أهلها. (إذ يلقون أقلامهم) في الماء يقترعون، والأقلام جمع قلم من قلمه إذا قطعه وهو فعل بمعنى مفعول أي مقلوم، والقلم القطع ومنه قلمت ظفري أي قطعته وسويته، ومثله القبض والنقض بمعنى المقبوض والمنقوض، أي أقلامهم التي يكتبون بها، وقيل قداحهم ليعلموا (أيهم يكفل مريم) أي يربي، وذلك عند اختصامهم في كفالتها كما قال تعالى (وما كنت لديهم إذ يختصمون) كفالتها، فقال زكريا هو أحق بها لكون خالتها عنده، فاقترعوا وجعلوا أقلامهم في الماء الجاري على أن من وقف قلمه ولم يجر مع الماء فهو صاحبها، فجرت أقلامهم، ووقف قلم زكريا. وقد استدل بهذا من أثبت القرعة، والخلاف في ذلك معروف وقد ثبتت أحاديث صحيحة في اعتبارها، وذكر الشوكاني في نيل الأوطار أن القرعة وردت في خمسة مواضع ثم عددها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب