الباحث القرآني

(يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله) الكائنة (عليكم) هذا تحقيق لما سبق من الأمر بالتقوى بحيث لا يبقى معه خوف من أحد (إذ) أي حين. (جاءتكم جنود) والمراد بها جنود الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغزوه إلى المدينة وهي الغزوة المسماة غزوة الخندق وكانت بعد حرب أحد بسنة [[الصحيح أنها وقعت بعد أحد بسنتين أي في السنة الخامسة من الهجرة في شهر شوال على التحديد أما غزوة أحد فكانت في السنة الثالثة من الهجرة وبين الغزوتين حدثت أحداث تتخم هذين العامين كيوم الرجيع ورهط عضل والقارة واستشهاد زيد بن الدثنة وخبيب وأصحابهما بماء هذيل ثم بئر معونة ثم إجلاء بني النضير في السنة الرابعة وغزوة ذات الرقاع وغزوة بدر الآخرة ثم غزوة دومة الجندل ثم الخندق. المطيعي.]] وهم أبو سفيان بن حرب بقريش ومن معهم من الألفاف، وعيينة ابن حصن الفزاري ومن معه من قومه غطفان، وبنو قريظة والنضير فضايقوا المسلمين مضايقة شديدة كما وصف الله سبحانه في هذه الآيات، وكانت هذه الغزوة في شوال سنة خمس من الهجرة قاله ابن اسحق. وقال ابن وهب، وابن القاسم، عن مالك كانت في سنة أربع. وقد بسط أهل السير في هذه الوقعة ما هو معروف فلا نطيل بذكرها. أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، وابن عساكر من طرق عن حذيفة قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعوداً، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا. وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة، ولا أشد ريحاً في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحد منا أصبعه. فجعل المنافقون يستأذنون رسول الله ويقولون: إن بيوتنا عورة. وما هي بعورة فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، فيتسللون. ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك إذا استقبلنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً رجلاً حتى مر عليّ وما عليّ جنة من العدو، ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي، فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال: من هذا؟ فقلت: حذيفة، قال: حذيفة؟ فتقاصرت إلى الأرض فقلت: بلى يا رسول الله -كراهية أن أقوم- قال قم، فقال: إنه كان في القوم خبر فأتني بخبر القوم؟ قال: وأنا من أشد القوم فزعاً وأشدهم قراً فخرجت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اللهم احفظه من بين يديه. ومن خلفه، وعن يمينه. وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته. قال: فوالله ما خلق الله فزعاً ولا قراً في جوفي فما أجد منه شيئاًً، فلما وليت قال يا حذيفة، لا تحدثن في القوم شيئاًً حتى تأتيني، فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل، الرحيل، ثم دخلت العسكر فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرحيل، الرحيل، لا مقام لكم وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز شبراً فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضربهم، ثم خرجت نحو النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارساً معتمين فقالوا أخبر صاحبك أن الله كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يترحلون، وأنزل الله: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود الآية). وعن ابن عباس في قوله: إذ جاءتكم جنود، قال: كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب (فأرسلنا عليهم ريحاً) قال مجاهد هي ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى ألقت قدورهم، ونزعت فساطيطهم، وهي ريح تهب من الشرق، وكانت باردة شديدة جداً، ومع هذا لم تتجاوزهم. ويدل على هذا ما ثبت عنه (- صلى الله عليه وسلم -) من قوله: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس. وعنه قال لما كان ليلة الأحزاب جاءت الشمال إلى الجنوب فقالت انطلقي فانصري الله ورسوله، فقالت الجنوب إن الحرة لا تسري بالليل فغضب الله عليها وجعلها عقيماً، فأرسل الله عليهم الصبا فأطفأت نيرانهم، وقطعت أطنابهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور، فذلك قوله فأرسلنا عليهم ريحاً الآية، وقيل الصبا ريح فيها روح ما هبت على محزون إلا ذهب حزنه، وللشعراء تفنن بها كثير يعرفه كل من له إلمام بدواوينهم. (وجنوداً لم تروها) وهي الملائكة، وكانوا ألفاً، ولم يقاتلوا، وإنما ألقوا الرعب في قلوب الأحزاب. قال المفسرون: بعث الله عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم الرعب، وكثر تكبيرهم في جوانب العسكر، حتى كان سيد كل قوم يقول لقومه يا بني فلان هلم إليّ فإذا اجتمعوا قال لهم النجاء النجاء، فانهزموا من غير قتال (وكان الله بما تعملون) أيها المسلمون من ترتيب الحرب، وحفر الخندق، واستنصاركم به، وتوكلكم عليه (بصيراً) وقرىء يعملون بالتحتية أي بما يعمله الكفار من العناد لله ولرسوله والتحزب على المسلمين واجتماعهم عليهم من كل جهة. (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (12))
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب