الباحث القرآني

(فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء) هذا تنزيه له تعالى عما وصفوه به وتعجيب مما قالوا في شأنه، والملكوت في كلام العرب لفظ مبالغة في الملك كالجبروت والرحموت كأنه قال: فسبحان من بيده مالكية الأشياء الكلية. قال قتادة: ملكوت كل شيء مفاتح كل شيء. وقرىء: ملكة بزنة شجرة، وقرىء: مملكة بزنة مفعلة. والملك والملكوت أبلغ من الجميع. (وإليه ترجعون) قرأ الجهور بالفوقية على الخطاب مبنياً للمفعول وقرىء: بالتحتية على الغيبة مبنياً للمفعول أيضاًً، وقرأ زيد بن علي: على البناء للفاعل أي ترجعون إليه لا إلى غيره، وتردون وتعادون بعد الموت بلا فوت. وذلك في الدار الآخرة بعد البعث. ملحق لتفسير سورة يس ذكر المؤلف في صدر تفسيره لهذه السورة حديث: " اقرأوا يس عند موتاكم " وقلنا: في التعليق على ذلك إننا سننشر في آخر تفسير السورة ملحق يفصل موضوع القراءة على الأموات ننقله من المنار وغيره، وبناء عليه نقول: قال ابن القيم: وهذا يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل قوله: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر، والأول أظهر لوجوه: أحدها: أنه نظير قوله: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله. الثاني: انتفاع المحتضر بهذه السورة لما فيها من التوحيد والمعاد والبشرى بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) فيستبشر الروح بذلك فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه. الثالث: إن هذا عمل الناس وعادتهم قديماً وحديثاً يقرأون يس عند المحتضر. الرابع: أن الصحابة لم يكونوا يقرأونها عند القبور ولو فهموا من قوله صلى الله عليه وسلم اقرأوا يس عند موتاكم قراءتها عند القبر لما أخلوا به، وكان ذلك أمراً معتاداً مشهوراً بينهم. الخامس: إن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود، وأما قراءتها عند قبره لا يثاب على ذلك لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل، وقد انقطع عمل الميت .. أهـ. وكتب صاحب المنار رحمه الله في آخر سورة الأنعام استدراكاً على تفسير قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) بدأه بتمهيد مهم ثم قال: أقول هذا تمهيداً لتذكيرك بعدم الاغترار بما لعلك اطلعت أو تطلع عليه من الوجوه التي حمل عليها بعض المتفقهة والمصنفين في تفسير قوله تعالى في سورة النجم: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) فحرفوا الكلم عن مواضعه تارة بالتأويلات السخيفة، وتارة بدعوى النسخ الباطلة، وتارة بدعوى أن هاتين الآيتين من شريعة إبراهيم وموسى لا من شرعنا، وتارة بتخصيصها بالكفار دون المسلمين. وقد غفل هؤلاء عن كون مضمون الآيتين من قواعد الدين وأصول الإسلام، الثابتة على ألسنة جميع الرسل ومؤيداً بآيات كثيرة بلفظها ومعناها كآية: (ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه) وغيرها مما يعلق الفلاح والخسر بالأعمال. أما هؤلاء المقلدون من المتأخرين فسبب غفلهم وتأويلهم أنهم يحاولون تصحيح كل ما فشا من البدع بين أقوالهم والمنسوبين إلى مذاهبهم وليسوا من أهل الدليل، ولكنهم لا يتركون ضلالة التأويل، وأما أهل النظر في أدلة المذاهب منهم فلا هم من النظر في الكتاب والسنة إلا أخذ ما يرونه مؤيداً لمذاهبهم وترك ما سواه بضرب من التأويل، أو دعوى النسخ أو احتماله بغير دليل. ولو كان هؤلاء المقلدون العميان هم الذين جوزوا وحدهم للناس إهداء عباداتهم للموتى لهان الخطب ولكن تابعهم على ذلك بعض علماء السنة من أهل الأثر والنظر (كابن تيمية وابن القيم) إذ ظنوا أن الأحاديث الواردة في الدعاء للموتى والإذن للأولاد بأن يقضوا ما على والديهم من صيام أو صدقة أو حج، تدل على انتفاع الموتى بعبادات الأحياء مطلقاً، غافلين عن حصر ما صح من ذلك في الأولاد فقط، وحديث " صام عنه وليه " يتعين أن يراد بالولي هنا الولد ليوافق سائر النصوص، وولد المرء من عمله، فانتفاع الميت بعمل ولده الحي يدخل في القاعدة ولا يناقضها. كلام ابن القيم ورد المنار عليه قال ابن القيم فإن قيل: فهذا لم يكن معروفاً في السلف ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصهم على الخير ولا أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إليه وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار بالصدقة والحج والصيام، فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم ولكانوا يفعلونه: وأجاب ابن القيم عن هذا الاعتراض فقال: إن مورد هذا السؤال إن كان معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام و .. و .. قيل له: ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال؟ وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات، وإن لم يعترف بوصول تلك الأعمال إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع. رد المنار على ابن القيم أقول وبالله التوفيق: عفا الله عن شيخنا وأستاذنا أما قوله لمورد السؤال إذا كان معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام: ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القرآن .. الخ فنجيب عنه بأن المانع لذلك نصوص القرآن التي جاءت في أن عمل كل عامل له دون غيره والسائل يعترف بأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للأولاد أن يقضوا عن والديهم حقوقاً ثبتت عليهم كما يقضون ديون الناس عنهم، فهي ليست كقراءة القرآن التي ليست مفروضة على الأعيان في غير الصلاة. وبهذا كان أداء الحقوق غير معارض للآيات الواردة، وبهذا بطل قوله وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات. كلام ابن القيم فإن قيل: فرسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى الصوم و .. و .. دون القراءة. ثم أجاب ابن القيم: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبتدئهم بذلك بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم، فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له، وهذا سأله عن الصدقة فأذن له، ولم يمنعهم مما سوى ذلك. رد المنار عليه إن عدم ابتداء الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم بذلك على إطلاقه دليل على أنه ليس من دينه، وإلا لم يكن مبينا لما أُنزل إليه كما أمر به وهذا محال. وسؤال أولئك الأفراد إياه دليل على أنهم لم يكونوا يعلمون من نصوص الدين ولا من السنة العملية ما يدل على شرعيته، فلذلك استفتوه فيه، ولم يستفتوه في العمل عن غير الوالدين لنص القرآن في منعه ... اهـ. ... وقد يستدل بعضهم على انتفاع الموتى بعمل الأحياء بحديث: " وضع النبي صلى الله عليه وسلم الجريدتين على القبرين "، [[انظر مسند أحمد 4/ 172 وقد روي نحوه.]] والجواب على ذلك أن هذا واقعة حال في أمر غيبي غير معقول المعنى والظاهر أنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم. وكذلك حديث شبرمة وفيه أنه أخ لي أو قريب أحج عنه، والجواب: أنه حديث موقوف كما هو الراجح عند أحمد، وقال ابن المنذر لا يثبت رفعه. ... وجاء في كتابنا مشكلات القرآن ما نصه: المشكلة العاشرة هل ينتفع الأموات بعمل الأحياء؟ قال الله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) وقال (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه). القرآن الكريم مملوء بالآيات في هذا المعنى، وتقرير هذه القاعدة، وهي أن الإنسان في الآخرة مجزى بعمله لا بعمل غيره (كل نفس بما كسبت رهينة) (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره). غير أن المسلمين اليوم وقبل اليوم درجوا على الانصراف عن هذه القاعدة فتراهم يقرأون القرآن على الموتى ويتصدقون عنهم ويدعون لهم سواء في ذلك الولد على الوالد أو الوالد على الولد، أو الزوجة على زوجها: أو الزوج على زوجته أو الأقارب والأصهار. وإذا صارحناهم بأن هذا خطأ لا يقره دين ولا شريعة قالوا: كيف هذا والناس عليه من قديم، والشيوخ في هذا العصر لا ينكرون. فإذا قلنا لهم إن الحجة في كلام الله ورسوله فقط لا في عمل الجماهير وسكوت الشيوخ قالوا: إن شيخ الإسلام ابن تيمية قد جوز هذا في بعض كتبه وهو عالم كبير وله شهرة واسعة في الدفاع عن السنة ومحاربة البدع. ونحن نورد هنا ما قاله ابن تيمية وما رد به عليه أستاذ جليل محقق يحب ابن تيمية ولكن حبه للحق أكبر، قال الأستاذ [[هو الأستاذ الكبير الشيخ أبو الوفا محمد درويش رحمه الله.]]: قال ابن تيمية: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بما عمله فقوله باطل من وجوه: أحدها أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، وهذا انتفاع بعمل الغير. والجواب إن الداعي للإنسان إما أن يكون ولده وإما أن يكون غير ولده أما الولد فقد بينت السنة أن عمله استمرار لعمل الوالد: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث .. أو ولد صالح يدعو له " فدعوة الولد من سعي الوالد وعمله. وأما إذا كان الداعي غير ولده فقد أثبت الواقع المشاهد الذي لا ينكره إلا معاند أن أحداً لا يدعو لأحد إلا لإحسان أو بر نال الداعي من المدعو له وما رأينا أحداً يدعو لأحد اعتباطاً أو مجاناً. ولا شك أن البر والإحسان إلى المسلمين من الطاعات. وهي من كسب الشخص وسعيه وعمله، فإذا استجاب الله دعاء الداعي للبار المحسن، كان ذلك ثواباً لإحسانه وبره، وبذلك يكون الشخص قد انتفع بكسبه وسعيه وعمله، إذ لولا الإحسان والبر ما دعا الداعي. فقد انتفع الشخص بكسبه وسعيه وعمله لا بعمل غيره. وإذا فرضنا أن الداعي لم ينله من المدعو له إحسان ولا بر، أفلا يدعو له بالخير لأنه من إخوانه المسلمين المؤمنين، والإيمان رحم بين المؤمنين؛ ولولا إسلامه وإيمانه ما دعا له، لأن المسلم يعتبر المسلمين إخوة ويعتبر الدعاء لهم من البر بهم، والإسلام والإيمان من كسب العبد وسعيه وعمله، فإذا انتفع المسلم باستجابة الله تعالى لدعاء مسلم من إخوانه، كان انتفاعه بسبب إسلامه وإيمانه، أي بسبب كسبه وعمله قبل كل شيء. والله تعالى جعل الدعاء للمؤمن من ثواب إيمانه، قال تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ). فلولا صبرهم ما سلمت عليهم الملائكة، وتسليم الملائكة دعاء بالسلامة وهو ثواب صبرهم، وصبرهم من كسبهم وسعيهم وعملهم، وهذا شيء من الوضوح والجلاء بحيث لا يحتاج إلى إقامة دليل ولا برهان، فهو في حكم البدهيات التي لا تفتقر إلى نظر ولا استدلال. فثبت بذلك أن انتفاع المؤمن بدعاء المؤمنين، سواء عليه، أكانوا من ولده أم من غيرهم: إنما هو انتفاع بكسبه وسعيه وعمله لا بكسب غيره ولا بسعي سواه ولا بعمل الناس. قال ابن تيمية: ثانيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب، ثم لأهل الجنة في دخولها، ثم لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بعمل الغير. ونقول وبالله نعتصم وبقوله الحق نتأيد: أما في الموقف فالشفاعة لا تنفع الكفار، ولا هي بمغنية عنهم شيئاًً، فهم منتقلون من كربة إلى كربات، ومن شدة إلى شدات وحسبنا دليل على ذلك قول الله تعالى في سورة البقرة: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)). والآيات في معناها كثير. فكيف يقال مع هذه النصوص الصريحة: إنهم انتفعوا بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أو إنهم انتفعوا بعمل غيرهم؟ وهم أعداء الله وأعداء رسوله الذين حبطت أعمالهم، وضل سعيهم، ولا يقام لهم يوم القيامة وزن، ولا تنالهم من الرسول صلى الله عليه وسلم شفاعة ولا من الله تعالى رحمة. وأما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر فتكون شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ثواباً لإيمانهم. ولولا إيمانهم لم ينالوا هذه الشفاعة، فهم في واقع الأمر وحقيقته قد انتفعوا بكسبهم واستفادوا بسعيهم، وقطفوا ثمرة عملهم فكيف يقال إنهم انتفعوا بعمل غيرهم، وما انتفاعهم بعد فضل الله ورحمته إلا بمحض عملهم. وأما شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة في دخولها فهي كذلك ثواب أعمالهم لقوله تعالى (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) فلولا إنهم آمنوا وعملوا الصالحات ما دخلوا الجنة ولا وجدوا ريحها ولا نالتهم شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهم في حقيقة الأمر وواقعه ينتفعون بسعيهم وكسبهم وعملهم، ولولا أعمالهم ما استحقوا شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. فكيف يقال إنهم انتفعوا بعمل غيرهم؟ وأما شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر في الخروج من النار؛ فإنها لن تكون إلا بعد أن تمسهم النار بذنوبهم ويصيروا حمماً أو فحماً كما جاء في حديث مسلم ولولا أنهم مؤمنون ما أذن الله في الشفاعة لهم، فالشفاعة لهم وخروجهم من النار من ثواب إيمانهم، وإيمانهم من كسبهم وسعيهم وعملهم فكيف يقال: إنهم انتفعوا بعمل غيرهم. ثم قال ابن تيمية: ثالثها: إن كل نبي وصالح له شفاعة وذلك انتفاع بعمل الغير. ونقول: إن هذه الشفاعات لا تنفع (إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً) لقوله تعالى (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) [النجم: 26]. والآيات في معناها كثيرة. فالشفاعة مشروط فيها بحسب نصوص القرآن الكريم الإذن والرضا، والله لا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأذن في الشفاعة لهم، ولا يأذن للنبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة لأهل الكبائر لخروجهم من النار إلا بعد أن تمسهم النار بذنوبهم وتطهرهم من أوزارهم ويبقى إيمانهم وهو موضع رضا الكريم سبحانه. فشفاعة الأنبياء والصالحين لا تكون إلا بعد الإذن والرضا وإذاً فتكون للمؤمنين لا لغيرهم، والله تعالى قد جعل هذه الشفاعات ثواباً للإيمان وصالح العمل فهؤلاء الذين يشفع لهم الأنبياء والصالحون في حقيقة الأمر وواقعه منتفعون بإيمانهم وأعمالهم وسعيهم وكسبهم، ولولا ذلك ما شفع لهم شافع ولا نفعتهم شفاعة الشافعين. فكيف يقال: إنهم انتفعوا بعمل غيرهم؟ ثم قال ابن تيمية: رابعها: إن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض وذلك منفعة بعمل الغير. ونقول: إن الله تعالى بين لنا في كتابه العزيز دعاء الملائكة واستغفارهم وبين لنا كذلك من مِن أهل الأرض تستغفر لهم الملائكة، فقال تعالى في سورة غافر: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)). ألم تر كيف وقف الملائكة عند حدهم ولم يطلبوا من ربهم إلا ما يقتضيه عدله وحكمته؟ ليس هذا الدعاء والاستغفار إلا تسبيحاً لله وتنزيهاً له بذكر صفات فضله وعدله ورحمته، فحين أخبر الله تعالى عن ملائكته الكرام أنهم يستغفرون لم يذكر أنهم يستغفرون لكل من دب ودرج على وجه الأرض ولكن ذكر أنهم يستغفرون للذين آمنوا، فدل على أن استغفار الملائكة للمؤمنين من ثواب إيمانهم. وحين حكى سبحانه قوله بين أنهم لم يقولوا: اغفر لكل مصر على ذنبه، أو مجاهر بمعصية ربه. بل بين أنهم يقولون: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ). فقد أثنوا على الله تعالى بسعة الرحمة والعلم، وسألوه أن يغفر للذين تابوا واتبعوا سبيله: أي سلكوا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين: ولا جرم أن الله تعالى وعد أن يغفر لهؤلاء جميعاً. فالملائكة الكرام لا يسألون ربهم إلا تصديق وعده، بدليل قوله تعالى: (ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم) وحين طلبوا ذلك لمن يتصل بهم من أولي قرباهم، لم يطلبوه لكل قريب ولو خب في الإثم ووضع، ولو تمرغ في حمأة الفساد بل طلبوه لمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. فهم لم يطلبوا المغفرة إلا لأهل الصلاح. فلولا أنهم مؤمنون، وأنهم تابوا واتبعوا سبيل الله، ولولا أن آباءهم وأزواجهم وذرياتهم صالحون ما استغفرت لهم الملائكة. إذاً لا يكون استغفار الملائكة إلا ثواباً لإيمانهم وتوبتهم واتباعهم سبيل الله. وإذاً فهم ينتفعون بإيمانهم وتوبتهم واتباعهم سبيل الله أي أنهم منتفعون بسعيهم وكسبهم وعملهم. فكيف يقال: إن هؤلاء منتفعون بعمل غيرهم؟ ثم قال رحمه الله: ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه والحج والصوم وبالعتق بنص السنة والإجماع، وهو من عمل الغير. ونقول: إن الصدقة التي وردت السنة بانتفاع الميت بها هي ما يقوم بأدائها ولده من بعده ومثلها العتق والحج والصوم، وقد أسلفنا أن ولد الميت من كسبه بنص الحديث الشريف وقد بينا أن كل ما يعمله الولد نيابة عن والديه من الصدقة والحج فإنه لهما وينتفعان به، وذلك من فضل الله ورحمته فليس للوالدين إلا ما سعيا بنفسهما أو بولدهما الذي ينوب عنهما وهو كسبهما. قال ابن تيمية: إن المدين الذي امتنع الرسول صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب، وانتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وبردت جلدته بقضاء دينه وهو من عمل الغير. ونقول: إن المدين الذي مات وعليه دين يقضي دينه مما ترك، إذ لا تركة إلا بعد وفاء الديون، فإن لم يكن له مال أصبح دينه في ذمة ورثته يجب عليهم أداؤه وهذا المدين إن كان قد استدان وفي نيته أداء الدين ولكن الموت أعجله عن الوفاء فلم يتح له الوفاء حتى مات، فلا إثم عليه. إذ لم يكن عدم الوفاء بتقصير منه، ولا بسبق نية وإصرار. وإن كان قد استدان وهو عازم على ألا يوفي، فإن نية السوء هذه تلازمه منذ وصل مال الدائن إلى يده حتى لقي حتفه، وهو مؤاخذ بها ومسؤول عنها ولا يخليه من تبعتها أن الدين قد أداه عنه غيره، لأنه ليس مسؤولاً عن الدين فقط، بل عن نية الغدر والإتلاف أيضاًً، فلا يغني عنه أن غيره أدى عنه الدين. ولكن الله تعالى لا يرضى أن تضيع الحقوق، فجعل الدين في ذمة الورثة يدفعونها إلى الدائن إن كانوا موسرين، فإن كانوا معسرين (فنظرة إلى ميسرة) وقد شدد الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم في أداء الدين، حتى لقد كان لا يصلي على المدين إذا مات ولم يخلف ما يقضي به دينه ليحمل جماعة المسلمين على أن يتضامنوا في أداء دينه حتى يظفر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على جنازته. والشريعة الإسلامية سنت مبدأ التضامن الاجتماعي، والتكافل القومي وجعلت مال الشخص في يده يتصرف فيه بالمعروف كيف يشاء، ما لم تكن بجماعة المسلمين حاجة ماسة إليه فإذا مست إليه حاجتهم فهو مالهم جميعاً قال تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل. ولكنه أضاف الأموال إليهم جميعاً ليعلم كل فرد أن المال الذي في يده هو مال الأمة، وأن أموال الأفراد تكون الثروة العامة للأمة، فأبو قتادة حين دفع دين الميت المدين لم يزد على أن تصدق على ورثته بما يؤدي دينه، فإن كان هناك ثواب يرجى، وأجر يمنح، فهو لهذا المتصدق ولا شيء منه للميت إذ لا سعي له ولا عمل، وإن كان الميت سيء القصد، فاسد النية مات وهو مصر على عدم الوفاء، فإنّ وفاء أبي قتادة لا يغني عنه شيئاًً. فبطل القول بأن في هذا انتفاع الميت بعمل غيره وثبت أن ليس للإنسان إلا ما سعى ولا يظلم ربك أحداً. قال ابن تيمية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن صلى وحده؛ ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ قد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير. نقول: بل حصل له فضل الجماعة بنيته إذ لو بقي على نية الصلاة فإذاً لم يحصل له فضل الجماعة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى " ولو خرج من بيته يريد أن يصلي في المسجد في جماعة، فلم يجد أحداً واضطر أن يصلي منفرداً لكان له أجر نيته، ولو اكتظ المسجد بالمسلمين وصلوا كلهم أفذاذاً لم يكن لأحد منهم فضل الجماعة. وإذاً لا يكسب فضل الجماعة إلا بالنية، ونية الرجل من كسبه وسعيه وعمله فلا يصح أن يقال: أن هذا حصل له فضل الجماعة بعمل غيره (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل). ثم قال ابن تيمية: الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحي عليه، وهو عمل غيره. ونقول: كلا بل انتفاعه بعمل نفسه، فلولا أنه من زمرة المسلمين ما فرض الله على المسلمين الصلاة عليه، فصلاة المسلمين عليه ودعاؤهم له من ثواب إيمانه، وإيمانه من كسبه كما تقدم، فلو لم يكن مؤمناً ما صلى عليه المؤمنون، ولا دعوا له. ... ويظهر أن الإمام ابن تيمية قد رجع عن كل ما قاله هنا، فقد قال في بعض فتاويه (فلم يكن من عادة السلف إذا صلوا أو صاموا أو حجوا تطوعاً أو قرأوا القرآن أن يهدوا ثواب ذلك للموتى) انظر مختصر الفتاوى لابن تيمية ص (171). ويقول: لم يكن من عادة السلف إهداء ذلك إلى موتى المسلمين بل كانوا يدعون لهم فلا ينبغي الخروج عنهم - انظر تفسير المنار (ص 26 جـ 8). فصل في قراءة القرآن على الموتى إذا كان العلامة (أبو الوفاء محمد درويش) قد قوم الخطأ الذي سقط فيه الإمام ابن تيمية في البحث السابق فقد سبقه المرحوم صاحب المنار إلى تقويم الخطأ الذي تورط فيه العلامة ابن القيم، فقد أطال ابن القيم في جواز قراءة القرآن للموتى قياساً على الصدقة والدعاء .. الخ. وكان هذا التقويم من هذين الشيخين آية جديدة على ما أوتيا من شجاعة أدبية؛ وأن حبهما للإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لم يمنعهما من الرد عليهما وآية جديدة على أن العصمة لله وحده. وقد أطال صاحب المنار في تفنيد أدلة جواز قراءة القرآن للموتى (وقد تقدم هنا) وختم هذا البحث القيم بقوله: وإذ قد علمت أن حديث قراءة سورة يس على الموتى غير صحيح وإن أريد به من حضرهم الموت، وأنه لم يصح في هذا الباب حديث قط، كما قال المحقق الدارقطني فاعلم أن ما اشتهر وعم البدو والحضر من قراءة الفاتحة للموتى لم يرد فيه حديث صحيح ولا ضعيف فهو من البدع المخالفة لما تقدم من النصوص القطعية، ولكنه صار بسكوت اللابسين لباس العلماء وبإقرارهم له ثم بمجاراة العامة عليه من قبيل السنن المؤكدة أو الفرائض المحتمة. وخلاصة القول: أن المسألة من الأمور التعبدية التي يجب فيها الوقوف عند نصوص الكتاب والسنة وعمل الصدر الأول من السلف الصالح؛ وقد علمنا أن القاعدة المقررة في نصوص القرآن الصريحة والأحاديث الصحيحة أن الناس لا يجزون في الآخرة إلا بأعمالهم (82: 19) (يوم لا تملك نفس لنفس شيئاًً) (31 - 22) (واخشوا يوماً لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاًً) وأن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ أقرب أهل عشيرته إليه بأمر ربه أن: " اعملوا لا أغنى عنكم من الله شيئاًً " فقال ذلك لعمه وعمته ولابنته سيدة النساء وأن مدار النجاة في الآخرة على تزكية النفس بالإيمان والعمل الصالح. والثواب ما يثوب ويرجع إلى العامل من تأثير عمله في نفسه - الخ ما تقدم شرحه مع التذكير بالآيات الكثيرة والأحاديث فيه، وكل ذلك من الأخبار وقواعد العقائد فلا يدخلها النسخ. وورد مع ذلك الأمر بالدعاء لأحياء المؤمنين وأمواتهم في صلاة الجنازة وفي غيرها، فالدعاء عبادة ثوابها لفاعلها سواء أستجيب أم لا، ويستحيل شرعاً وعقلاً استجابة كل دعاء لتناقض الأدعية ولاقتضاء الاستجابة ألا يعاقب فاسق ولا مجرم إلا إذا اتفق وجود أحد لا يدعو له أحد برحمة ولا مغفرة في صلاة ولا غيرها، ولا يترتب على ذلك من تعطيل كثير من النصوص أو عدم صدقها. وورد في الأخبار جواز صدقة الأولاد عن الوالدين ودعائهم لهما وقضاء ما وجب عليهما من صيام أو صدقة أو نسك، وقد بينا حكمته مع النصوص فيه، والظاهر من هذا أن الوالدين ينتفعان ببعض عمل أولادهما لأن الشارع ألحقهم بهما، فيسقط عنهما ما ينوبان عنهما فيه من أداء دين الله تعالى كديون الناس. فمن أراد أن يتبع الهدى، ويتقي جعل الدين تابعاً للهوى، فليقف عند النصوص الصحيحة؛ ويتبع فيها سيرة السلف الصالح ويعرض عن أقيسة بعض الخلف المروجة للبدع؛ وإذا زين لك الشيطان أنه يمكنك أن تكون أهدى وأكمل عملاً بالدين من الصحابة والتابعين فحاسب نفسك على الفرائض والفضائل المجمع عليها والصحيحة التي يضعف الخلاف فيها. وانظر أين مكانك منها فإن رأيت ولو بعين العجب والغرور أنك بلغت مد أحدهم أو نصيفه من الكمال فيها، فعند ذلك تعذر في الزيادة عليها، وهيهات هيهات لا يدعي ذلك إلا جهول مفتون، أو من به مس من الجنون وأن أكثر المتعبدين بالبدع؛ مقصرون في أداء الفرائض أو في المواظبة على السنن، ومنهم المصرون على الفواحش والمنكرات؛ كإصرارهم على ما التزموا في المقابر من العادات، كاتخاذها أعياداً تشد إليها الرحال، ويجتمع لديها النساء والرجال والأطفال؛ ولا سيما في ليلتي العيدين وأول جمعة من رجب، وتذبح عندها الذبائح؛ وتطبخ أنواع المآكل؛ فيأكلون ثم يشربون، ويبولون ويغوطون ويلغون ويصخبون ويقرأ لهم القرآن من يستأجرون لذلك من العميان، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون. [[والحمد لله فقد تم بفضل الله ثم بجهود المخلصين بمنع بعض البدع في بعض الأقطار الإسلامية ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكلل هذه الخطوات لإنهاء هذه الشواذات إنه سميع مجيب.]] فصل هل يتأذى الأموات بعمل الأحياء قدمنا لك الأدلة الكافية في عدم انتفاع الأموات بعمل الخير من الأحياء، فما القول في الموضوع إذا انعكس الأمر؟ هل يتأذى الميت إذا صدر من الحي ما حرمه الله ورسوله؟ ليس في هذا إلا قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر والمراد به النياحة كما صرح به في بعض الروايات عنه وعن أبيه وورد التصريح بعدم المؤاخذة بالبكاء المجرد وقد أوله بعضهم بأنه يعذب بما نيح عليه إذا أوصى أهله به وكان ممن يرضى به، ويحتمل أن يكون المراد بتعذيب الميت بنواح الحي عليه أنه يشعر ببكائه فيؤلمه ذلك لا أن الله تعالى يعذبه به ويؤاخذه عليه والله أعلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة قال: توفيت أم عمرو بنت أبان بن عثمان فحضرت الجنازة فسمع ابن عمر بكاء فقال: ألا تنهى هؤلاء عن البكاء فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه " فأتيت عائشة فذكرت لها ذلك. فقالت: " والله إنك لتخبرني عن غير كاذب ولا متهم ولكن السمع يخطىء وفي القرآن ما يكفيكم: (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وقال الشيخ محمد عبد السلام في رسالته: (القراءة للأموات) ما نصه: وبعد فقد سألنا أخ لنا في الله تعالى عن قراءة القرآن: هل يصل ثوابها للموتى؟ فأجبناه بما يأتي: أخرج أبو داود في سننه: أنه صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: " استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل " [[صحيح الجامع/956.]] حديث حسن وأخرج أيضاًً أبو داود وغيره بإسناد حسن: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع الميت في لحده قال: " بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله ". فليس في هذه الأحاديث أنه قرأ سورة لا هو ولا أحد أصحابه على القبر كما يفعل ذلك القراء الآن. وكذا رواية مسلم عن أبي هريرة قال زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: " استأذنت ربي في أن استغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت -وفي رواية- فإن فيها عبرة، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة " [[أحمد 2/ 441.]]. فظهر أن المعروف عنه صلى الله عليه وسلم إنما هو الاستغفار لا تلاوة القرآن. وهذا هو المنقول والمعقول أما تلاوة القرآن التي هي أحكام الدين وآدابه وحلاله وحرامه، فلا يمكن أن يفيد الميت شيئاًً قط. والقرآن والسنة الثابتة معنا على ذلك. وأخرج أحمد ومسلم والنسائي أن بريدة الأسلمي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، إنا إن شاء الله بكم لاحقون أنتم فرطنا [[فرطنا أي سبقتمونا.]] ونحن لكم تبع، ونسأل الله لنا ولكم العافية " [[صحيح الجامع/3592 بطولة.]] وليس في هذا الحديث أيضاًً سوى التسليم على أهل المقابر وطلب العافية لهم من الله، وليس فيه ما يشم منه رائحة إباحة تلاوة القرآن للأموات. وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كانت ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقع فيقول: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد " [[مقبرة بالمدينة.]] وهذا ليس فيه سوى طلب المغفرة لأهل الجبانة فلم يقرأ قرآنا. فصل (فيما ينتفع به الإنسان بعد موته) نعم ينتفع الميت بكل ما قررته شريعة الإسلام في كتاب الله وهدي رسوله فقد ورد في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: " إذ مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له [[صحيح الجامع/6181 و6182.]] ". وينتفع الميت بما ورد في حديث: " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه بعد موته " رواه ابن ماجة وابن خزيمة. وينتفع الميت بعد موته بسنة حسنة سنها فعمل بها من بعده كما روى مسلم في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قال: " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء -وفي رواية- من سن سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك " [[صحيح الجامع/805.]]. وينتفع الميت بالصدقة عنه كما روى البخاري: " أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمي توفيت أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال نعم " [[صحيح الجامع/682.]]. وفي المسند والسنن عن سعد بن عبادة (رض) أنه قال: " يا رسول الله إن أم سعد ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال " الماء " فحفر بئرا وقال: هذا لأم سعد؛ فسقي الماء من الصدقات التي ينتفع بها الميت من ولده ". وأخرج مسلم أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: " إن أبي ترك مالاً ولم يوص فهل يكفي أن أتصدق عنه؟ قال نعم ". وينتفع الميت بدعاء المسلمين واستغفارهم له لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) وفي السنن مرفوعاً: " إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء ". هذا هو الوارد في هذا الباب مما ينفع الأموات بسعي الأحياء وليس فيها دليل واحد يستأنس به أو يشم منه رائحة جواز قراءة القرآن للموتى أو سورة مخصوصة كسورة (يس) أو غيرها أو عمل عتاقة بسورة الإخلاص مائة ألف مرة أو سبحه بلا إله إلا الله ألف مرة وسنسرد عليك هنا إن شاء الله أقوال المفسرين والمحدثين والأصوليين وأئمة المذاهب المعروفة مما يدلك دلالة واضحة على أن كل ما عليه الناس في مآتمهم وعلى قبورهم لا يتفق وشرائع الإسلام وهدي الرسول عليه السلام. أقوال المفسرين تفسير الإمام ابن كثير: قال رحمه الله عند قوله تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) أي كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها لا يحمله عنها أحد كما قال: (وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى) (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) أي كما لا يحمل عليه وزر غيره كذلك لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه. قال: ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله ومن اتبعه أن القراءة لا يصل ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ولو كان خيراً لسبقوا إليه وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء: فأما الدعاء والصدقة فذلك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما. وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية من بعده أو علم ينتفع به ". فهذه الثلاثة في الحقيقة من سعيه وكده وعمله كما جاء في الحديث: " أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وأن ولده من كسبه " [[أحمد 1/ 36.]] والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس هو أيضاًً من سعيه وعمله. وثبت في الصحيح: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئاًً " [[صحيح الجامع/6110.]]. أهـ. تفسير الإمام الشوكاني: قال رحمه الله عند قوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) والمعنى ليس له إلا أجر سعيه وجزاء عمله ولا ينفع أحداً عمل أحد وهذا العموم مخصص بمثل قوله سبحانه (ألحقنا بهم ذرياتهم) وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء والملائكة للعباد ومشروعية دعاء الأحياء للأموات ونحو ذلك. ولم يصب من قال: أن هذه الآية منسوخة بمثل هذه الأمور، فإن الخاص لا ينسخ العام بل يخصصه فكل ما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به وهو من غير سعيه كان مخصصاً لما في هذه الآية من العموم أهـ. تفسير الإمام الخازن: قال رحمه الله عند هذه الآية: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) بعد أن قدم النصوص الدالة على جواز الدعاء والصدقة والحج عن الميت: والمشهور من مذهب الشافعي أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها، وقال جماعة من أصحابه: يصله ثوابها، وبه قال أحمد. وأما الصلوات فلا يصله عند الشافعي والجمهور أهـ. تفسير المنار: قال رحمه الله في تفسيره عند آية: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) في آخر سورة الأنعام بعد بحث طويل قال ما حاصله: إن كل ما جرت به العادة من قراءة القرآن والأذكار وإهداء ثوابها إلى الأموات واستئجار القُراء وحبس الأوقاف على ذلك بدع غير مشروعة، ومثلها ما يسمونه إسقاط الصلاة ولو كان لها أصل في الدين لما جهلها السلف ولو علموها لما أهملوا العمل بها. وقال أيضاًً: وإن حديث قراءة سورة يس على الموتى غير صحيح وإن أريد به من حضرهم الموت. وأنه لم يصح في هذا الباب حديث قط كما قال بذلك المحدث الدارقطني. واعلم أن ما اشتهر وعم البدو والحضر من قراءة الفاتحة للموتى لم يرد فيه حديث صحيح ولا ضعيف، فهو من البدع المخالفة لما تقدم من النصوص القطعية ولكنه صار بسكوت اللابسين لباس العلماء وبإقرارهم له، ثم بمجاراة العامة عليه من قبيل السنن المؤكدة أو الفرائض المحتمة. قال: وخلاصة القول أن المسألة من الأمور التعبدية التي يجب فيها الوقوف عند نصوص الكتاب والسنة وعمل الصدر الأول من السلف الصالح. قد علمنا أن القاعدة المقررة في نصوص القرآن الصريحة والأحاديث الصحيحة أن الناس لا يجزون في الآخرة إلا بأعمالهم: (يوم لا تملك نفس لنفس شيئاًً) وقال تعالى: (واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاًً) وإن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ أقرب أهل عشيرته إليه بأمر ربه: " أن اعملوا لا أغني عنكم من الله شيئاًً " وإن مدار النجاة في الآخرة على تزكية النفس بالإيمان والعمل الصالح أهـ. ونقل السيد رشيد رضا عن الحافظ بن حجر أنه سئل عمن قرأ شيئاًً من القرآن وقال في دعائه: اللهم اجعل ثواب ما قرأته، زيادة في شرف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فأجاب بقوله: هذا مخترع من متأخري القراء لا أعرف لهم سلفاً أهـ. " نقول " إن كثيراً من المتمشيخين الذين لم يفهموا معنى آية من الكتاب العزيز ولم يفهموا معنى الآية (وما آتاكم الرسول فخذوه) ولا معنى الحديث الصحيح: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " [[أحمد 6/ 146.]] وحديث: " وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " [[أحمد 4/ 126.]] هؤلاء هم الذين يتأكلون بالقرآن فحسابهم على الله. أقوال أئمة الحديث قال الإمام النووي في شرح مسلم في باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه: عند حديث عائشة أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال نعم " وفي هذا الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصل ثوابها. وهو كذلك بإجماع العلماء وكذا أجمعوا على وصول الدعاء وقضاء الدين بالنصوص الواردة في الجميع، ويصح الحج عن الميت والصوم للأحاديث الصحيحة فيه والمشهور من مذهبنا أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها أهـ. وقال الإمام الصنعاني في كتاب سبل السلام عند حديث ابن عباس قال: " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: " السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر " [[ضعيف الجامع/1167.]] رواه الترمذي بإسناد حسن. قال: في الحديث دليل على أن الإنسان إذا دعا لأحد أو استغفر يبدأ بالدعاء لنفسه والاستغفار لها، وعليه وردت الأدعية القرآنية (ربنا اغفر لنا ولإخواننا) (فاستغفر لذنبك وللمؤمنين) وفيه أن هذه الأدعية ونحوها نافعة للميت بلا خلاف. وأما غيرها من قراءة القرآن له: فالشافعي يقول: لا يصل ذلك إليه. وقال الإمام الشوكاني رحمه الله في شرح المنتقى: والمشهور من مذهب الشافعي وجماعة من أصحابه أنه لا يصل إلى الميت ثواب قراءة القرآن. ونقول: أن مما يدل دلالة واضحة على أن القرآن لا ينفع الموتى ولا يتلى على قبورهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي بلفظ: " اقرؤا سورة البقرة في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً " وأيضاًً " صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً " [[صحيح الجامع/3678.]] رواه الترمذي والنسائي وأبو يعلي والضياء المقدسي، وصححه السيوطي في الصغير فلو كان القرآن يتلى لنفع الأموات ويقرأ على قبورهم لما قال النبي -الذي هو (بالمؤمنين رؤوف رحيم) - اقرأوا وصلوا في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً. وإنما قال هذا لأن القبور ليست محلاً لقراءة القرآن ولا للصلاة، ولهذا لم يرد حديث واحد بسند صحيح ولا ضعيف مقبول أنه صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن ولا شيئاًً منه مرة واحدة في حياته كلها مع كثرة زيارته للقبور وتعليمه للناس كيفية زيارتها. أقوال أئمة المذاهب الأربعة مذهب أبي حنيفة: قال في كتاب الفقه الأكبر للإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان للإمام ملا على القارىء الحنفي (ص 110): ثم القراءة عند القبور مكروهة عند أبي حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله في رواية لأنه محدث لم ترد به السنة. أهـ. وكذلك قال شارح الإحياء (ج 3 ص 280). مذهب الشافعي: استدل الإمام الشافعي على عدم وصول ثواب القراءة بآية: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) وبحديث: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله، الخ " وقال النووي في شرح هذا الحديث: وأما قراءة القرآن وجعل ثوابها للميت والصلاة عنه ونحوها فذهب الشافعي والجمهور أنها لا تلحق الميت. أهـ، وكرر ذلك في عدة مواضع من شرح مسلم. وقال: وفي شرح المنهاج لابن النحوي: لا يصل إلى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور أهـ. وسئل العز بن عبد السلام عن ثواب القراءة المهدى للميت هل يصل أو لا؟ فأجاب بقوله: ثواب القراءة مقصور على القارىء ولا يصل إلى غيره قال: والعجب من الناس من يثبت ذلك بالمنامات وليست المنامات من الحجج. مذهب المالكية: قال الشيخ ابن أبي جمرة: إن القراءة عند المقابر بدعة وليست بسنة. كذا في المدخل وقال الشيخ الدردير في كتابه الشرح الصغير (ج 1 ص 180) وكره قراءة شيء من القرآن عند الموت وبعده وعلى القبور لأنه ليس من عمل السلف وإنما كان من شأنهم الدعاء بالمغفرة والرحمة والاتعاظ أهـ. وكذلك في حاشية العلامة العدوي على شرح أبي الحسن. مذهب الحنابلة: قال الإمام أحمد لمن يراه يقرأ على القبر: يا هذا إن قراءة القرآن على القبر بدعة. وقال الإمام ابن تيمية. ونقل الجماعة عن أحمد كراهة القرآن على القبور، وهو قول جمهور السلف وعليه قدماء أصحابه وقال أيضاًً: والقراءة على الميت بعد موته بدعة بخلاف قراءة (يس) على المحتضر فإنها تستحب. وقال: ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعاً أو صاموا تطوعاً أو حجوا تطوعاً أو قرأوا القرآن يهدون ثواب ذلك إلى موتى المسلمين، فلا ينبغي العدول عن طريق السلف. وقال الإمام ابن القيم في زاد المعاد (ج 1 ص 146): ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم أن يجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن لا عند قبره ولا غيره. وكل هذا بدعة حادثة مكروهة. وأما حديث: (اقرأوا على موتاكم يس) فهو حديث معلول مضطرب الإسناد مجهول السند. وعلى فرض صحته فلا دلالة فيه قطعاً، فإن المراد من قوله (موتاكم) أي من حضره مقدمات الموت حيث يكون ضعيف البنية ساقط الأعضاء، قد أقبل على الله بكلية فيقرأ عليه ما يزداد به قوة قلب، فهذا قطعاً من عمله في حياته. وخصت (يس) بهذه الحالة لما فيها من ذكر الله وتوحيده وتبشيره بما أعده لعباده الصالحين. فهذه المعاني كلها تجدها في سورة يس. وهذا ملخص ما قاله الفخر الرازي. والعلامة العزيزي على الجامع الصغير في شرحه لهذا الحديث. وقال الفيروزبادي: قراءة القرآن بدعة ومكروه. كلام علماء الأصول: قال صاحب كتاب طريق الوصول إلى إبطال البدع بعلم الأصول بعد ما ذكر قاعدة أصولية نفيسة ما نصه: من هذه القاعدة الجليلة تعلم أن أكثر ما تفعله العامة من البدع المذمومة ولنذكر لك أمثلة: الأول: قراءة القرآن على القبور رحمة بالميت، تركه النبي صلى الله عليه وسلم وتركه الصحابة مع قيام المقتضى للفعل، والشفقة للميت وعدم المانع منه، فبمقتضى القاعدة المذكورة يكون تركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة، وكيف يعقل أن يترك الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاًً نافعاً لأمته يعود عليها بالرحمة ويتركه الرسول صلى الله عليه وسلم طول حياته ولا يقرأه على ميت مرة واحدة؟ الثاني: قراءة الصمدية بعدد معلوم أو الجلالة بعدد معلوم. القرآن في ذاته عبادة لقارئه يتقرب بقراءته وبسماعه إلى الله تعالى ولا ينازع في ذلك أحد، إنما النزاع في قراءته للميت ليكون عتقاً لرقبته من النار. مع العلم بأن القرآن ما نزل للأموات وإنما نزل للأحياء نزل ليكون تبشيراً للمطيع وإنذاراً للعاصي، نزل لنهذب به نفوسنا ونصلح به شؤوننا، أنزل الله القرآن كغيره من الكتب السماوية ليعمل على طريقه العاملون، ويهتدي بهديه المهتدون، قال جل شأنه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا). فهل سمعتم أن كتاباً من الكتب السماوية قرىء على الأموات أو أخذت عليه الأجور والصدقات؟ ويقول الله خطابا لنبيه (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين) (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ). أكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على أصحابه عدداً معلوماً من الصمدية أو عدداً معلوماً من الجلالة ليكون ذلك عتقاً لرقبتهم، وإنقاذاً لهم من النار؟ مع العلم بأن من ليس بمعصوم في حاجة إلى تكفير السيئات ورفع الدرجات، أم كانت سنته أن يدفن الرجل من أصحابه ويذهب كل إلى عمله ليس له إلا ما قدم؟ هذه كانت سنته وهذه طريقته والله تعالى يقول: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) فلنتأس به في الفعل، كما نتأسى به في الترك أهـ. كلام صاحب طريق الوصول. فصل في أشياء تتعلق بذلك وأما ما يروى عن ابن عمر أنه أوصى بقراءة الفاتحة وخواتيم البقرة على قبره، فهو أثر شاذ لم يصح سنده، ولم يوافقه عليه أحد من الصحابة، وكذلك ما يروى من قراءة الفاتحة والصمدية والمعوذتين وألهاكم والكافرون وإهدائها لأهل المقابر فباطل لمخالفتها لأقوال النبي وأفعاله وأقوال وأفعال أصحابه. - ومن البدع: قراءة القرآن في الشوارع والطرقات وعلى أبواب الأضرحة للتعيش والارتزاق، إذ في ذلك تسول فاحش بالقرآن فهو امتهان للقرآن، والتسول يحرمه الدين الإسلامي تحريماً باتاً، وهو بالقرآن أشد تحريماً ولكن يجب على العلماء أن يفهموا الحكومة والأغنياء أنه فرض عليهم أن ينفقوا على هؤلاء العميان وأن يستخدموهم في أي عمل كصناعة الزنابيل وخيزران الكراسي وما يليق بهم من الصناعات. - ومن البدع: نصب السرادقات (الصواوين) يوم وفاة الميت وعمل السبحة التي هي عبارة عن التهليل ألف مرة من المعزين، ويهبون ثوابها للميت وأصلها منام رآه بعض المتمشيخين فأذاعه بين إخوانه الجهلاء فاتخذوها سنة ثم حديث من قرأ: قل هو الله أحد ألف مرة فقد اشترى نفسه من النار، موضوع وفيه مجاشع الكذاب. - ومن البدع: والمنكر أنهم يجددون الحزن كل خميس بعد وفاة الميت إلى يوم الأربعين أو إلى أول عيد له، ويعملون السرادقات ويحضرون القراء وينتظرون مجيء الناس إليهم للتعزية، وقد روى الإمام أحمد وابن ماجة بإسناد صحيح عن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: " كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة " وقال الشافعي: يكره الجلوس للتعزية. وقال الأوزاعي مثله. وقال الإمام أحمد: وهو من فعل الجاهلية وأنكره. - ومن البدع: ذهاب النساء والرجال إلى المقابر في الأعياد والجمع ومعهم القرص والبلح لتوزيعها على القراء وغيرهم، ومن عيوب القراء أنهم يقولون للجالسات على القبر: أقرأ سورة هنا يا ست ثم يتشاجر معها بعد القراءة لقلة ما تعطيه، وهذا قبيح جداً يحط من كرامة القراء ورجولتهم. وعلاج ذلك أن تمنع الحكومة في شدة وحزم هذه المهازل قبل وقوعها فلا تسمح للنساء بالخروج إلى المقابر وتجري على هؤلاء القراء ما يغنيهم عن ذلك، كما يجب على العلماء أن يذكروا وينكروا ذلك العمل عند كل مناسبة. - ومن البدع: تسهير القراء في شهر رمضان إذ لم يكن هذا من فعل السلف الصالح ولا هو من تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم وليس في الكتب الصحيحة بل ولا غيرها ما يدل على جواز ذلك. وإنما المطلوب شرعاً أن نتدارس القرآن كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم: " كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله " [[صحيح الجامع 6346 و6347.]] رواه البخاري ومسلم وغيرهما. - ومن البدع: قراءة سورة ياسين 40 مرة بقصد إهلاك شخص أو إضرار طائفة وغاب عن هؤلاء أن الله أنزل القرآن شفاء ورحمة وأرسل الرسول رحمة للعالمين، وما أنزل الله علينا القرآن لنشقى، وهذا من الجهلاء شنيع، لكنه من أهل العلم أشنع وأفظع، ولكن ضللهم هؤلاء بقولهم خذ من القرآن ما شئت لما شئت " ويس " لما قرأت له. وكلاهما باطل لا أصل له. - ومن البدع: قراءة سورة الكهف بالمساجد على الهيئة المعروفة، والسنة أن يقرأها يوم الجمعة كل مسلم ومسلمة لحديث: " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين " وفي رواية: " أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق " وهذان الحديثان ضعيفان وهما يفيدان أن الكل مطلوب منه قراءة سورة الكهف ولكن التشويش بها من قارىء واحد ممنوع شرعاً وعقلاً وفي الحديث: " لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن " رواه مالك في الموطأ وأبو داود في سننه. وروى الإمام أحمد ومسلم والنسائي مرفوعاً: " من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال ". - ومن البدع: قراءة سورة تبارك جماعة على صوت واحد كما يفعل ذلك جماعة الخلوتية وغيرهم، أما السورة نفسها فقراءتها سنة: " إن سورة من القرآن ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي تبارك الذي بيده الملك " [[صحيح الجامع 6277.]] رواه أحمد وأصحاب السنن وابن حبان. - ومن البدع: قراءة سورة الفاتحة لروح النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الظهر وقراءتها بعد صلاة العصر لروح عمر وبعد صلاة المغرب لروح عثمان وبعد صلاة العشاء لروح علي ويعتقدون أنهم بهذا يحضرونهم عند تغسيلهم بعد الموت أو عند سؤال القبر، وتلك بدع وخرافات ما أنزل الله بها من سلطان. - ومن البدع: قول بعض المصلين عقب التسليم من صلاة الجمعة فوراً (الفاتحة لسيدي الحسين) أو يقول: (للسيد البدوي) أو (الفاتحة على هذه النية) وهذا جهل قبيح، ولكن لماذا يقره العلماء ويسكتون عليه؟ الحق أن الكل أجمع على ترك أوامر الدين ولا قوة إلا بالله. - ومن البدع: تعليق المصحف على الصغير أو الكبير كحجاب أو للنظرة. وكذا من البدع كتابة شيء من القرآن لهذا الغرض والمشروع قراءة آية الكرسي عند النوم أو المعوذتين أو قراءة الأدعية الواردة في السنة لهذا فليعلم. - ومن البدع: تعليق سورة (ألم نشرح) في ورقة على الدكاكين لجلب الزبون، والمطلوب حسن المعاملة وحسن الخلق والصدق وعدم رفع الأسعار فإن هذا حقاً يجلب الزبون، وقد نهى الإسلام عن التعليق حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من علق فقد أشرك " [[روى بمعناه ضعيف الجامع 5715 وصحيح الجامع 6570.]]. - ومن البدع: أنهم عندما يمرون بقبر أو تابوت أو قبة يتجهون إلى القبلة رافعين أيديهم إلى السماء قائلين: الفاتحة لصاحب هذا المقام ويكثرون من الدعاء ثم يمسحون وجوههم بأيديهم قائلين: راعنا يا سيدي راعنا سقت عليك النبي، وهذا منهم بدعة وجهل وضلال، وهذه كبدعة زائري القبور فإنهم أيضاًً يقولون: الفاتحة لروح أمواتنا وأموات المسلمين كافة عامة، ثم يقول يا حي يا قيوم ويقرأ الفاتحة. (تم الملحق)
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب