الباحث القرآني

(إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم) كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه وبين قومه منقطع عما قبله كما ينبئ عنه الإظهار في موضع الإضمار (هل يستطيع ربك) الخطاب لعيسى وقرئ هل تستطيع بالفوقية ونصب ربك وبالتحتية ورفع ربك. واستشكلت على الثانية بأنه قد وصف سبحانه الحواريين بأنهم قالوا آمنا وأشهد بأننا مسلمون والسؤال عن استطاعته لذلك ينافي ما حكوه عن أنفسهم، وأجيب بأن هذا كان في أول معرفتهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله ولهذا قال عيسى في الجواب عن هذا الاستفهام الصادر منهم اتقوا الله أي لا تشكوا في قدرة الله أنهم ادعوا الإيمان والإسلام دعوى باطلة، ويرده أن الحواريين هم خلصاء عيسى وأنصاره كما قال: (من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله). وبهذا يظهر أن قول الزمخشري: إنهم ليسوا مؤمنين ليس بجيد، وكأنه خرق للإجماع قال ابن عطية: ولا خلاف أحفظه في أنهم كانوا مؤمنين، وقيل إن ذلك صدر ممن كان معهم وقيل، إنهم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه فإنهم كانوا مؤمنين عارفين بذلك، وإنما هو كقول الرجل هل يستطيع فلان أن يأتي مع علمه بأنه يستطيع ذلك ويقدر عليه، فالمعنى هل يفعل ذلك وهل يجيب إليه، وقيل: إنهم طلبوا الطمأنينة كما قال إبراهيم عليه السلام رب أرني كيف تحيي الموتى الآية، ويدل على هذا قولهم من بعد وتطمئن قلوبنا. وأما على القراءة الأولى فالمعنى هل تستطيع أن تسأل ربك قال الزجاج: المعنى هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله، فهو من باب واسأل القرية. عن عائشة قالت: كان الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا هل يستطيع ربك فإنما قالوا هل تستطيع أنت ربك أن تدعوه، ويؤيد هذا ما أخرجه الحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه عن معاذ بن جبل أنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تستطيع ربك بالتاء يعني بالفوقية وعن ابن عباس أنه قرأها كذلك وبه قرأ علي وسعيد بن جبير ومجاهد. (أن ينزل علينا مائدة من السماء) المائدة الخوان إذا كان عليه الطعام فإن لم يكن عليه طعام فليس بمائدة هذا هو المشهور إلا أن الراغب قال المائدة الطبق الذي عليه الطعام وتقال أيضاً للطعام إلا أن هذا مخالف لما عليه المعظم، وهذه المسألة لها نظائر في اللغة، لا يقال للخوان مائدة إلا وعليه الطعام وإلا فهو خوان، ولا يقال كاس إلا وفيها خمر وإلا فهي قدح، ولا يقال ذنوب وسجل إلا وفيه ماء وإلا فهو دلو، ولا يقال جراب إلا وهو مدبوغ وإلا فهو إهاب، ولا يقال قلم إلا وهو مبري وإلا فهو أنبوب. واختلف اللغويون في اشتقاقها فقال الزجاج: هي من ماد يميد إذا تحرك، وقال أبو عبيدة هي من ماده إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدم إليها، وبه قال قطرب وغيره وقيل فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية قاله أبو عبيدة وقيل غير ذلك، وأطال الكلام في تحقيقه سليمان الجمل فراجعه إن شئت. (قال) عيسى مجيباً للحواريين (اتقوا الله) من هذا السؤال وأمثاله (إن كنتم مؤمنين) أي صادقين في إيمانكم فإن شأن المؤمن ترك الاقتراح على ربه على هذه الصفة وقيل: إنه أمرهم بالتقوى ليكون ذلك ذريعة إلى حصول ما طلبوه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب