الباحث القرآني

(حرّمت عليكم) هذا شروع في تفصيل المحرمات التي أشار إليها سبحانه بقوله (إلا ما يتلى عليكم) بالإجمال، وحاصل ما ذكر في هذا البيان أحد عشر شيئاً كلها من قبيل الطعوم إلا الأخير، وهو الاستقسام بالأزلام. (الميتة) المراد البهيمة التي تموت حتف أنفها أي أكلها (والدم) وما هنا من تحريم مطلق الدم مقيد بكونه مسفوحاً كما تقدم، حملاً للمطلق على المقيد، وقد ورد في السنة تخصيص الميتة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدّمان فالكبد والطحال [[الدارقطني 4/ 272.]] أخرجه الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وفي إسناده مقال، ويقويه حديث وهو الطهور ماؤه والحل ميتته " [[صحيح الجامع 6925.]] وهو عند أحمد وأهل السنن وغيرهم وصححه جماعة منهم ابن خزيمة وابن حبان، وقد أطال الشوكاني الكلام عليه في شرحه للمنتقى. (ولحم الخنزير) قيل كله نجس، وإنما خص اللحم لأنه معظم المقصود بالأكل (وما أهل لغير الله به) أي ما ذكر على ذبحه أو عند ذبحه غير اسم الله تعالى، والإهلال رفع الصوت لغير الله كان يقول باسم اللات والعزى ونحو ذلك، فحرمه الله بهذه الآية وبقوله (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه). قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم في الكلام على هذه الآية: إن ظاهرها أنه ما ذبح لغير الله سواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه وقال فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم من الاستعانة بغير الله، فلو ذبح لغير الله متقرباً إليه لحرم وإن قال فيه باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال لكن تجتمع في الذبيحة مانعات، ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح اهـ. وكلامه في هذا الباب واسع جداً .. وكذلك كلام غيره من أهل العلم، ولا حاجة بنا هنا إلى تكرير ما قد أسلفناه في سورة البقرة من أحكام هذه الأربعة ففيه ما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. (والمنخنقة) هي التي تموت بالخنق، وهو حبس النفس سواء كان ذلك بفعلها كأن تدخل رأسها في حبل أو بين عودين أو بفعل آدمي أو غيره، وقد كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها، والفرق بينهما أن الميتة تموت بلا سبب أحد والمنخنقة تموت بسبب الخنق. (والموقوذة) هي التي تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية يقال وقذه يقذه وقذا فهو وقيذ، والوقذ شدة الضرب حتى يسترخي ويشرف على الموت وبابه وعد، وشاة موقوذة قتلت بالخشب، وفلان وقيذ أي مثخن ضرباً، وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك فيضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى تموت ثم يأكلونها. وقال ابن عبد البر: واختلف العلماء قديماً وحديثاً في الصيد بالبندق والحجر والمعراض، ويعني بالبندق قوس البندقية، وبالمعراض السهم الذي لا ريش له أو العصا التي رأسها محدود، قال: فمن ذهب إلى أنه وقيذ لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته على ما روى عن ابن عمر وهو قول مالك وأبى حنيفة أصحابه والثوري والشافعي، وخالفهم الشاميون في ذلك. قال الأوزاعي: في المعراض كُلْه خزنى أو لم يخزق فقد كان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وعبد الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأساً، قال ابن عبد البر: هكذا ذكر الأوزاعي عن عبد الله بن عمر، والمعروف عن ابن عمر ما ذكر مالك عن نافع، قال: والأصل في هذا الباب والذي عليه العمل وفيه الحجة حديث عديّ بن حاتم وفيه ما أصاب بغرضه فلا تأكل فإنه وقيذ انتهى. (قلت) والحديث في الصحيحين وغيرهما عن عدي قال: قلت يا رسول الله إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب فقال: إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصاب بعرضة فإنما هو وقيذ فلا تأكله [[مسلم 1929؛ والبخاري 141.]]، فقد اعتبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخزنى وعدمه، فالحق أنه لا يحل إلا ما خزق لا ما صدم، فلا بد من التذكية قبل الموت وإلا كان وقيذاً. قال الشوكاني: وأما البنادق المعروفة الآن وهي بنادق الحديد التي يجعل فيها البارود والرصاص ويرمى بها فلم يتكلم عليها أهل العلم لتأخر حدوثها فإنها لم تصل إلى الديار اليمنية إلا في المائة العاشرة من الهجرة، وقد سألني جماعة من أهل العلم عن الصيد بها إذا مات ولم يتمكن الصائد من تذكيته حيّاً، والذي يظهر لي أنه حلال لأنها تخزنى وتدخل في الغالب من جانب منه وتخرج من الجانب الآخر وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح السابق: إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، فاعتبر الخزق في تحليل الصيد انتهى. والحاصل أن جملة ما يحل الصيد به من الآلات هذه البنادق الجديدة التي يرمى بها بالبارود والرصاص، فإن الرصاصة يحصل بها خزق زائد على خزق السهم والرمح والسيف، ولها في ذلك عمل يفوق كل آلة، ويظهر لك ذلك بأنك لو وضعت ريشاً أو نحوه فوق رماد دقيق أو تراب دقيق وغرزت فيه شيئاً يسيراً من أصلها ثم ضربتها بالسيف المحدد أو نحو ذلك من الآلات لم يقطعها وهي على هذه الحالة، ولو رميتها بهذه البنادق لقطعتها. فلا وجه لجعلها قاتلة بالصدم لا من عقل ولا من نقل من النهي عن أكل ما رمي بالبندقية، كما في رواية من حديث عدي بن حاتم عند أحمد بلفظ ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت، فالمراد بالبندقة هنا هي التي تتخذ من طين فيرمى بها بعد أن تيبس. وفي صحيح البخاري قال ابن عمر في المقتولة بالبندقة تلك الموقوذة، وكرهه سالم والقاسم ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن، وهكذا ما صيد بحصى الخذف فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن المغفل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الخذف وقال: إنها لا تصيد صيداً ولا تنكيء عدواً لكنها تكسر السن وتفقأ العين [[مسلم 1954؛ والبخاري 2046.]]، ومثل هذا ما قتل بالرمي بالحجارة غير المحدودة إذا لم تخزق فإنه وقيذ لا يحل، وأما إذا خزقت حل. (والمتردّية) هي التي تتردى من علو كالسطح والجبل ونحوهما إلى سفل فتموت من غير فرق بين أن تردى من جبل أو بئر أو مدفن أو غيرها، والتردي مأخوذ من الردى وهو الهلاك، وسواء تردت بنفسها أو ردّاها غيرها. (والنطيحة) هي فعيلة بمعنى مفعولة وهي التي تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية، وقال قوم: إن فعيلة بمعنى فاعلة لأن الدابتين تتناطحان فتموتان وقال نطيحة ولم يقل نطيح مع أنه قياس فعيل لأن لزوم الحذف مختص بما كان من هذا الباب صفة لوصوف مذكور، فإن لم يذكر ثبتت التاء للنقل من الوصفية إلى الإسمية، وفي القاموس نطحه كمنعه وضربه أصابه بقرنه. (وما أكل السبع) أي ما افترسه منه ذو ناب كالأسد والنمر والذئب والفهد والضبع ونحوها، والمراد هنا ما أكل بعضه السبع لأن ما أكله السبع كله قد فني فلا حكم له، وإنما الحكم لا بقي منه، والسبع اسم يقع على كل حيوان له ناب ويعدو على الناس والدواب فيفترس بنابه، ومن العرب من يخص اسم السبع بالأسد، وكانت العرب إذا أكل السبع شاة ثم خلصوها منه أكلوها وإن ماتت ولم يذكوها. (إلا ما ذكّيتم) استثناء متصل عند الجمهور وهو راجع على ما أدركت ذكاته من المذكورات سابقاً وفيه حياة، وقال المدنيون وهو الشهور من مذهب مالك وهو أحد قولي الشافعي أنه إذا بلغ السبع منها إلى ما لا حياة معه فإنها لا تؤكل. وحكاه في الموطأ عن زيد بن ثابت وإليه ذهب إسماعيل القاضي فيكون الاستثناء على هذا منقطعاً أي حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم فهو الذي يحل ولا يحرم، والأول أولى، والذكاة في كلام العرب الذبح، قاله قطرب وغيره. وأصل الذكاة في اللغة التمام أي تمام استكمال القوة، والذكاء حدة القلب وسرعة الفطنة، والذكاة ما تذكى منه النار، ومنه أذكيت الحرب والنار أوقدتهما، وذكاء اسم الشمس، والمراد هنا إلا ما أدركتم ذكاته على التمام، والتذكية في الشرع عبارة عن أنهار الدم وفري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور، مقرونًا بالقصد لله وذكر اسمه عليه. وأما الآلة التي يقع بها الذكاة فذهب الجمهور إلى أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج فهو آلة للذكاة ما خلا السن والعظم، وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة. (و) حرم (ما ذبح على النصب) أي ما قصد بذبحه النصب، ولم يذكر اسمها عند ذبحه بل قصد تعظيمها بذبحه فـ (على) بمعنى اللام فليس هذا مكرراً مع ما سبق، إذ ذاك فيما ذكر عند ذبحه اسم الصنم، وهذا قصد بذبحه تعظيم الصنم من غير ذكره، وقال ابن فارس: النصب حجر كان ينصب فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح، والنصاب حجارة تنصب حوالي شفير البئر فتجعل عضائد، وقيل النصب جمع واحده نصاب كحمار وحمر، وقرأ الجحدري كالحبل والجمل والجمع أنصاب كالأحبال والأجمال. قال مجاهد: هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها، وقيل كان حول الكعبة ثلثمائة وستون حجراً منصوبة قال ابن عباس: هن الأصنام المنصوبة، قال ابن جريج: كانت العرب تذبح بمكة وتنضح بالدم ما أقبل من البيت ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال فأنزل الله (وما ذبح على النصب). والمعنى والنية بذلك تعظيم النصب لا أن الذبح عليها غير جائز، ولهذا قيل: إن على بمعنى اللام أي لأجلها، قاله قطرب، وهو على هذا داخل فيما أُهلَّ به لغير الله وخص بالذكر لتأكيد تحريمه، ولدفع ما كانوا يظنونه من أن ذلك لتشريف البيت وتعظيمه. (وأن تستقسموا بالأزلام) وهي قداح الميسر، واحدها زلم. والأزلام للعرب ثلاثة أنواع أحدها مكتوب فيه افعل والآخر مكتوب فيه لا تفعل والثالث مهمل لا شيء عليه فيجعلها في خريطة معه، فإذا فعل شيء أدخل يده وهي متشابهة فأخرج واحداً منها فإن خرج الأوّل فعل ما عزم عليه، وإن خرج الثاني تركه وإن خرج الثالث أعاد الضرب حتى يخرج واحد من الأولين. وإنما قيل لهذا الفعل استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون فعله كما يقال استسقى أي استدعى السقيا، فالاستقسام طلب القسم والنصيب والحكم من القداح، وجملة قداح الميسر عشرة وكانوا يضربون بها في المقامرة. وقيل إن الأزلام كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، وقيل هي النرد وقيل الشطرنج، وإنما حرم الله الاستقسام بالأزلام لأنه تعرض لدعوى علم الغيب وضرب من الكهانة، قال الزجاج: لا فرق بين هذا وبين قول المنجمين لا تخرج من أجل نجم كذا وأخرج لطلوع نجم كذا، وأنكر ذلك في شرح التأويلات بما لا يسمن ولا يغني من جوع. (ذلكم) إشارة إلى الاستقسام بالأزلام خاصة أو إلى جميع المحرمات المذكورة هنا (فسق) لأنه وإن أشبه القرعة فهو دخول في علم الغيب وذلك حرام لقوله تعالى (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً) وقال (لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) والفسق الخروج من الحد، وقد تقدم بيان معناه، وفي هذا وعيد شديد لأن الفسق هو أشد الكفر لا ما وقع عليه اصطلاح قوم من أنه منزلة متوسطة بين الإيمان والكفر. (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) المراد باليوم الذي نزلت فيه الآية هو يوم فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع، وقيل سنة ثمان، وقيل إن ذلك هو يوم عرفة فنزلت هذه الآية والنبي صلى الله عليه وآله وسلم واقف بعرفة، وقيل المراد باليوم الحاضر وما يتصل به ولم يرد يوماً معيناً أي حصل لهم اليأس من إبطال أمر دينكم وأن يردوكم إلى دينهم كما كانوا يزعمون، واليأس انقطاع الرجاء وهو ضد الطمع. (فلا تخشوهم) أي لا تخافوا الكفار أن يغلبوكم أو يبطلوا دينكم فقد زال الخوف عنكم بإظهار دينكم (وآخشون) فأنا القادر على كل شيء إن نصرتكم فلا غالب لكم، وإن خذلتكم لم يستطع غيري أن ينصركم. (اليوم) المراد يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع، هكذا ثبت في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب، وقيل نزلت في يوم الحج الأكبر، وقال ابن عباس: نزلت في يوم عيدين، في يوم جمعة وعرفة أخرجه الترمذي وقال حسن غريب. (أكملت لكم دينكم) أي جعلته كاملاً غير محتاج إلى إكمال لظهوره على الأديان كلها وغلبته لها، ولكمال أحكامه التي يحتاج المسلمون إليها من الحلال والحرام والمشتبه، والفرائض والسنن والحدود والأحكام وما تضمنه الكتاب والسنة من ذلك، ولا يخفى ما يستفاد من تقديم قوله (لكم). قال الجمهور: المراد بالإكمال هنا نزول معظم الفرائض والتحليل والتحريم قالوا: وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير كآية الربا وآية الكلالة ونحوهما، وقيل لم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض، هذا معنى قول ابن عباس. قال سعيد بن جبير وقتادة: معناه أي حيث لم يحج معكم مشرك وخلا الموسم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين، وقيل إكماله أنه لا يزول ولا ينسخ ويبقى إلى آخر الدهر، وقيل المعنى أنهم آمنوا بكل نبي وكل كتاب ولم يكن هذا لغير هذه الأمة، وقال ابن الأنباري: اليوم أكملت شرائع الإسلام على غير نقصان كان قبل هذا الوقت. وهذه أقوال ضعيفة ولا معنى للإكمال إلا وفاء النصوص بما يحتاج إليه الشرع إما بالنص على كل فرد فرد أو باندراج ما يحتاج إليه تحت العمومات الشاملة. ومما يؤدي ذلك قوله تعالى ميه (ما فرّطنا في الكتاب من شيء) وقوله (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: تركتكم على الواضحة ليلها كنهارها [[الموطأ الحدود باب 10.]] وجاءت نصوص الكتاب العزيز بإكمال الدين وبما يفيد هذا المعنى ويصحح دلالته ويؤيد برهانه. ويكفي في دفع الرأي وأنه ليس من الدين قول الله تعالى هذا فإنه إذا كان الله قد أكمل دينه قبل أن يقبض إليه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله بعد أن أكمل الله دينه لأنه إن كان من الدين في اعتقادهم فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم، وهذا فيه ردّ للقرآن، وإن لم يكن من الدين فأي فائدة في الإشتغال بما ليس منه وما ليس منه فهو رد بنص السنة المطهرة كما ثبت في الصحيح. وهذه حجة قاهرة ودليل باهر لا يمكن أهل الرأي أن يدفعوه بدافع أبداً، فاجعل هذه الآية الشريفة أول ما تصكّ به وجوه أهل الرأي وترغم به آنافهم وتدحض به حجتهم فقد أخبرنا الله في محكم كتابه أنه أكمل دينه ولم يمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بعد أن أخبرنا بهذا الخبر عن الله عز وجل، فمن جاء بشيء من عند نفسه وزعم أنه من ديننا قلنا له إن الله أصدق منك، ومن أصدق من الله قيلاً، إذهب لا حاجة لنا في رأيك. وليت المقلِدة فهموا هذه الآية حق الفهم حتى يستريحوا ويريحوا، وقد أخبرنا في محكم كتابه أن القرآن أحاط بكل شيء فقال ما فرطنا في الكتاب من شيء وقال (تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة) ثم أمر عباده بالحكم بكتابه فقال (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم) وقال نتحكم بين الناس بما أراك وقال (إن الحكم إلا لله يقصّ الحق وهو خير الفاصلين) وقال (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وفي آية هم الظالمون وفي أخرى هم الفاسقون. وأمر عباده أيضاً في محكم كتابه باتباع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وهذه أعم آية في القرآن وأبينها في الأخذ بالسنة المطهرة، وقال (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) وقد تكرر هذا في مواضع من الكتاب العزيز وقال (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) وقال (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). والاستكثار من الاستدلال على وجوب طاعة الله وطاعة رسوله لا يأتي بعائدة ولا فائدة زائدة فليس أحد من المسلمين يخالف في ذلك، ومن أنكره فهو خارج عن حزب المسلمين. إنّما أوردنا هذه الآيات الكريمة والبينات العظيمة تلييناً لقلب المقلّد الذي قد جمد وصار كالجلمد فإنه إذا سمع مثل هذه الأوامر القرآنية ربما امتثلها وأخذ دينه من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - طاعة لأوامره، فإن هذه الطاعة وإن كانت معلومه لكل مسلم لكن الإنسان قد يذهل عن القوارع الفرقانية والزواجر المحمدية، فإذا ذُكّر بها ذكر، ولا سيما من نشأ على التقليد وأدرك سلفه ثابتين عليه غير متزحزحين عنه فإنه يقع في قلبه أن دين الإسلام هو هذا الذي هو عليه، وما كان مخالفاً له فليس من الإسلام في شيء، فإذا راجع نفسه رجع. ولهذا تجد الرجل إذا نشأ على مذهب من هذه المذاهب ثم سمع قبل أن يتمرن بالعلم ويعرف ما قاله الناس خلاف ذلك المألوف استنكره وأباه قلبه، ونفر عنه طبعه، وقد رأينا وسمعنا من هذا الجنس ما لا يأتي عليه الحصر. ولكن إذا وازن العاقل بعقله بين من اتبع أحد أئمة المذاهب في مسئلة من مسائله التي رواها عنه المقلد، ولا مستند لذلك العالم فيها بل قالها بمحض الرأي لعدم وقوفه على الدليل، وبين من تمسك في تلك المسئلة بخصوصها بالدليل الثابث في القرآن أو السنة أفاده العقل بأن بينهما مسافات تنقطع فيها أعناق الإبل لا جامع بينهما لأن من تمسك بالدليل أخذ بما أوجب الله عليه الأخذ به، واتبع ما شرعه الشارع لجميع الأمة أولها وآخرها وحيّها وميتها. والعالم يمكنه الوقوف على الدليل من دون أن يرجع إلى غيره، والجاهل يمكنه الوقوف على الدليل بسؤال علماء الشريعة واسترواء النص، وكيف حكم الله في محكم كتابه أو على لسان رسوله في تلك المسئلة، فيفيدونه النص إن كان ممن يعقل الحجة إذا دل عليها أو يفيدونه مضمون النص بالتعبير عنه بعبارة يفهمها، فهم رواة وهو مسترو، وهذا عامل بالرواية لا بالرأي، والمقلد عامل بالرأي لا بالرواية لأنه يقبل قول الغير من دون أن يطالبه بحجة، وذلك في سؤاله يطالب بالحجة لا بالرأي فهو قابل لرواية الغير لا لرأيه، وهما من هذه الحيثية متقابلان، فانظر كم الفرق بين المنزلتين. والكلام في ذلك يطول ويستدعي استغراق الأوراق الكثيرة وهو مبسوط في مواطنه، وفيما ذكرناه مقنع وبلاغ وبالله التوفيق. وفي الآية دلالة على بطلان القياس، وعلى أنه تعالى قد نص على الحكم في جميع الوقائع إذ لو بقي بعضها غير مبيّن الحكم لم يكن الدين كاملاً، وإذا حصل النص في جميع الوقائع فالقياس إن كان على وفق النص كان عبثاً، وإن كان على خلافه كان باطلاً، وقد أجاب مثبتو القياس عن هذا بما لا يكفي في الجواب والله أعلم بالصواب. (وأتممت عليكم نعمتي) بإكمال الدين المشتمل على الأحكام وبفتح مكة وقهر الكفار وإياسهم عن الظهور عليكم كما وعدتكم بقولي ولأتم نعمتي عليكم، وقال ابن عباس: حكم لهم بدخول الجنة. (ورضيت لكم الإسلام ديناً) أي أخبرتكم برضائي به لكم، فالجملة مستأنفة لا معطوفة على (أكملت) وإلا كان مفهوم ذلك أنه لم يرض لهم الإسلام ديناً قبل ذلك، وليس كذلك فإنه سبحانه لم يزل راضياً لأمة نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالإسلام، فلا يكون لاختصاص الرضا بهذا اليوم كثير فائدة إن حملناه على ظاهره. ويحتمل أن يريد رضيت لكم الإسلام الذي أنتم عليه اليوم ديناً باقياً إلى انقضاء أيام الدنيا، وديناً منتصب على التمييز، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، قال ابن عباس: أخبر الله نبيه والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه فلا ينقص أبداً، وقد رضيه فلا يسخطه أبداً. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن طارق بن شهاب قال: قالت اليهود لعمر إنكم تقرؤن آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال وأي آية قالوا (اليوم أكملت لكم دينكم) قال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والساعة التي نزلت فيها نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشية عرفة في يوم الجمعة، أشار عمر إلى أن ذلك اليوم يوم عيد لنا. قال ابن عباس: فمكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هذه الآية أحداً وثمانين يوماً ثم قبضه الله إليه، أخرجه البيهقي ومات - صلى الله عليه وسلم - يوم الأثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، وقيل لاثنتي عشرة ليلة وهو الأصح سنة إحدى عشرة من الهجرة. قال ابن عباس: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد يوم الجمعة ويوم عرفة وعيد لليهود وعيد للنصارى وعيد للمجوس، ولم تجتمع أعياد لأهل الملل في يوم واحد قبله ولا بعده. (فمن اضطر في مخمصة) هذا متصل بذكر المحرمات، وما بينهما اعتراض أي من دعته الضرورة في مخمصة أي مجاعة إلى أكل الميتة وما بعدها من المحرمات، والخمص ضمور البطن، ورجل خميص وخمصان، وامرأة خميصة ومنه أخمص القدم لدقتها وهي صفحة محمودة في النساء، ويستعمل كثيراً في الجوع، ووقعت هذه الآية هنا وفي البقرة والأنعام والنحل ولم يذكر جواب الشرط إلا في البقرة فيقدر في غيرها وهو (فلا إثم عليه). (غير متجانف لإثم) الجنف الميل والإثم الحرام، أي حال كون المضطر في مخمصة غير مائل لإثم وهو بمعنى غير باغ ولا عاد وكل مائل فهو متجانف وجنف، وقرئ متجنّف وهو أن يأكل فوق الشبع وهو قول فقهاء العراق، قال ابن عطية: وهو أبلغ من متجانف، وقيل المعنى غير متعرض لمعصية في مخمصة وهو قول فقهاء الحجاز، وقال ابن عباس: غير متعمّد لإثم [[وفي " المسند " 8/ 170 و " صحيح ابن حبان " عن ابن عمر مرفوعاً قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله يحب أن تؤتي رخصه، كما يكره أن تؤتي معصيته " لفظ ابن حبان. [قلت: وفي " المجمع " 3/ 162 رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، والبزار والطبراني في " الأوسط " وإسناده حسن] وفي لفظ لأحمد 7/ 238 " من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة ". ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجباً في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها وقد يكون مندوباً، وقد يكون مباحاً، بحسب الأحوال. وقد روى الإمام أحمد 5/ 218 عن أبي واقد الليثي، أنهم قالوا: يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال: " إذا لم تصطحبوا، ولم تغتبقوا، ولم تحتفئوا بقلاً، فشأنكم بها ". تفرد به أحمد من هذا الوجه.]]. (فإن الله غفور) له (رحيم) به لا يؤاخذه بما ألجأته إليه الضرورة في الجوع مع عدم ميله بأكل ما حرم عليه إلى الإثم بأن يكون باغياً على غيره أو متعدياً لما دعت إليه الضرورة حسبما تقدم. وهذه الآية من تمام ما تقدم ذكره في المطاعم التي حرمها الله تعالى ومتصلة بها، ومن قوله (ذلكم فسق) إلى هنا اعتراض وقع بين الكلامين، والغرض منه تأكيد ما تقدم ذكره في معنى التحريم لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب