الباحث القرآني

(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) مستأنفة مقررة لما قبلها لأن كون خلقهم لمجرد العبادة مما ينشط رسول الله صلى الله عليه وسلم للتذكير، وينشطهم للإجابة، قيل: هذا خاص فيمن سبق بعلم الله أنه يعبده، فهو عموم مراد به الخصوص، قال الواحدي: قال المفسرون هذا خاص لأهل طاعته، يعني من أهل من الفريقين، قال: وهذا قول الكلبي والضحاك، واختيار الفراء وابن قتيبة. قال القشيري: والآية دخلها التخصيص بالقطع، لأن المجانين والصبيان لم يؤمروا بالعبادة، ولا أرادها منهم، وقد قال: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس)، ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة، قاله شيخ الإسلام زكريا نقلاً عن الرازي، فالآية محمولة على المؤمنين منهم، ويدل عليه قراءة أُبيّ بن كعب وابن مسعود، وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون، وقال مجاهد: إن المعنى إلا ليعرفوني قال الكلبي: وهذا قول حسن، لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده، وروي عن مجاهد أنه قال المعنى إلا لآمرهم، وأنهاهم، ويدل عليه قوله: (وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) واختار هذا الزجاج. وقال زيد بن أسلم: هو ما جبلوا عليه من السعاده والشقاوة، فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة، وخلق الأشقياء للمعصية، وقال الكلبي: المعنى إلا ليوحدون، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة دون النعمة، كما في قوله: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، وقال جماعة: إلا ليخضعوا لي ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة الذل والخضوع والإنقياد، وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله متذلل لمشيئته، منقاد لما قدره عليه، خلقهم على ما أراد، ورزقهم كما قضى لا يملك أحد منهم لنفسه نفعاً ولا ضراً، ووجه تقديم الجن على الإنس ههنا تقدم وجودهم، قال ابن عباس في الآية: ليقروا بالعبودية طوعاً أو كرهاً، وعنه قال: على ما خلقتهم عليه من طاعتي ومعصيتي، وشقوتي وسعادتي، وقيل: معنى (إلا ليعبدون) إلا مستعدين لأن يعبدوا بأن خلقت فيهم العقل والحواس والقدرة التي تتحصل بها العبادة، وهذا لا ينافي تخلف العبادة بالفعل من بعضهم؛ لأن هذا البعض، وإن لم يعبد الله، لكن فيه التهيؤ والاستعداد الذي هو الغاية بالحقيقة وهذا أحسن.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب