الباحث القرآني

(ألم يروا) أي أهل مكة والرؤية بصرية والهمزة للإنكار، وهذا شروع في توبيخهم ببذل النصح لهم (كم أهلكنا من قبلهم) كم استفهامية أو خبرية، ومن لابتداء الغاية و (من قرن) تمييز، ومن للبيان، والقرن يطلق على أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم. أي ألم يعرفوا بسماع الأخبار ومعاينة الآثار في أسفارهم للتجارة إلى الشام في الصيف وإلى اليمن في الشتاء، كم أهلكنا من قبل خلقهم أو من قبل زمانهم أمة من الأمم الموجودة في عصر بعد عصر لتكذيبهم أنبياءهم مثل قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم الماضية والقرون الخالية. وقيل هو عبارة عن مدة من الزمان فيكون ما في الآية على تقدير مضاف أي من أهل القرن الذين وجدوا فيه، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم " [[مسلم 2535 - البخاري 1288.]]. (مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم) مكن له في الأرض جعل له مكاناً فيها ومكنه في الأرض أي أثبته فيها قاله الزمخشري، وقال أبو عبيدة مكناهم ومكنا لهم لغتان فصيحتان نحو نصحته ونصحت له، وبهذا قال أبو علي والجرجاني، والجملة مستأنفة كأنه وقيل: كيف ذلك؟ وقيل الجملة صفة لقرن، والأول أولى أي مكناهم تمكيناً لم نمكنه لكم. والمعنى أنا أعطينا القرون الذين هم قبلكم ما لم نعطكم من الدنيا وطول الأعمار وقوة الأبدان والبسطة في الأجسام والسعة في الأرزاق وقد أهلكناهم جميعاً، فإهلاككم وأنتم دونهم بالأولى، ذكر معناه أبو البقاء. وفيه التفات عن الغيبة في قوله: (ألم يروا) والالتفات له فوائد منها تطرية الكلام وصيانة السمع عن الزجر والملال لما جبلت علية النفوس من حب التنقلات والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فائدته العامة ويختص كل موقع بنكت ولطائف باختلاف محله كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه وأعطاه فضل عنايته وخصصه بالمواجهة ذكره الكرخي. (وأرسلنا السماء عليهم مدراراً) يريد المطر الكثير عبر عنه بالسماء لأنه ينزل منها، والمدرار صيغة مبالغة تدل على الكثرة كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور ومئناث للتي تلد الإناث، يقال در اللبن يدر إذا أقبل على الحالب بكثرة أي أرسلنا المطر متتابعاً في أوقات الحاجة إليه. (وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم) معناه من تحت أشجارهم ومنازلهم والمراد به كثرة البساتين أي أن الله وسع عليهم المنعم بعد التمكين لهم في الأرض فكفروها (فأهلكناهم) أي كل قرن من تلك القرون (بذنوبهم) ولم يغن ذلك عنهم شيئاً فسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من العذاب، وهذا كما ترى آخر ما به الاستشهاد والاعتبار. وأما قوله: (وأنشأنا من بعدهم) أي من بعد إهلاكهم (قرناً آخرين) فصاروا بدلاً من الهالكين، ففي هذا بيان لكمال قدرته سبحانه وقوة سلطانه وأنّه يهلك من يشاء ويوجد من يشاء، وأن ما ذكر من إهلاك الأمم الكثيرة لم ينقص من ملكه شيئاً بل كل ما أهلك أمة أنشأ بدلها أخرى. وفي هذه الآية ما يوجب الاعتبار والموعظة بحال من مضى من الأمم السالفة والقرون الخالية فإنهم مع ما كانوا فيه من القوة وكثرة الأتباع وخصب العيش، أهلكوا بسبب الكفر والإثم فكيف حال من هو أضعف منهم خلقاً وأقل عدداً وعدداً، وهذا يوجب الانتباه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة. والقرن لفظ يقع على معان كثيرة فيطلق على الجماعة من الناس ويطلق على المدة من الزمان قيل إطلاقه على هذين بطريق الاشتراك أو الحقيقة والمجاز، والراجح الثاني لأن المجاز خير من الاشتراك، وإذا قلنا بالراجح فالأظهر أن الحقيقة هي القوم. ثم اختلف في كمية القرن فالجمهور أنه مائة سنة وقيل مائة وعشرون وقيل ثمانون وقيل سبعون قاله الفراء وقيل ستون وقيل أربعون وقيل ثلاثون وقيل عشرون، وقيل هو المقدار الوسط من أعمار أهل ذلك الزمان واستحسن هذا بأن أهل الزمن القديم كانوا يعيشون أربعمائة سنة وثلثمائة وألفاً وأكثر وأقل. وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب