الباحث القرآني

(وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا) الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح له، والخوض أصله في اللغة هو الشروع في الماء والعبور فيه ثم استعمل في غمرات الأشياء التي هي مجاهل شبهها بغمرات الماء فاستعير من المحسوس للمعقول، وقيل هو مأخوذ من الخلط وكل شيء خضته فقد خلطته، ومنه خاض الماء بالعسل خلطه والمعنى وإذا رأيت الذين يخوضون في القرآن بالتكذيب والرد والاستهزاء. (فأعرض عنهم) أي فدعهم ولا تقعد معهم بسماع مثل هذا المنكر العظيم (حتى يخوضوا في حديث غيره) أي مغاير له، الضمير للآيات والتذكير باعتبار كونها قرآنا أو باعتبار كونها حديثاً فإن وصف الحديث بمغايرتها يشير إلى اعتبارها بعنوان الحديثية، أمره الله سبحانه بالإعراض عن أهل المجالس التي يستهان فيها بآيات الله إلى غاية هي الخوض في غير ذلك. وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتسمح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة وتقليداتهم الفاسدة وبدعهم الكاسدة، فإنه إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه فأقل الأحوال أن يترك مجالستهم وذلك يسير عليه غير عسير، وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزهه عما يتلبسون به شبهة يشبهون بها على العامة فيكون في حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر. وقد شاهدنا من هذه المجالس الملعونة ما لا يأتي عليه الحصر، وقمنا في نصرة الحق ودفع الباطل بما قدرنا عليه وبلغت إليه طاقتنا، ومن عرف هذه الشريعة المطهرة حق معرفتها علم أن مجالسة أهل البدع المضلة فيها من المفسدة أضعاف أضعاف ما في مجالسة من يعصي الله بفعل شيء من المحرمات، ولا سيما لمن كان غير راسخ القدم في علم الكتاب والسنة، فإنه ربما ينفق عليه من كذباتهم وهذيانهم ما هو من البطلان بأوضح مكان، فينقدح في قلبه ما يصعب علاجه ويعسر دفعه فيعمل بذلك مدة عمره ويلقى الله به معتقداً أنه من الحق وهو من أبطل الباطل وأنكر المنكر. قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم إنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله، وعن أبي جعفر قال: لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله، وعن محمد بن علي قال: إن أصحاب الأهواء من الذين يخوضون في آيات الله. وقال مقاتل: كان المشركون بمكة إذا سمعوا القرآن من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خاضوا واستهزؤوا فقال المسلمون: لا يصلح لنا مجالستهم، نخاف أن نخرج حين نسمع قولهم ونجالسهم فأنزل الله هذه الآية، وقال السدي: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف ولا يصح. (وإما ينسينك الشيطان) فقعدت معهم (فلا تقعد بعد الذكرى) أي إذا ذكرت فقم عنهم ولا تقعد (مع القوم الظالمين) أي المشركين، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر نعياً عليهم أنهم بذلك الخوض واضعون للتكذيب والاستهزاء موضع التصديق والتعظيم راسخون في ذلك. قال مجاهد: نهى محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يقعد معهم إلا أن ينسى فإذا ذكر فليقم وذلك قول الله يعني هذه الآية، وعن ابن سيرين: أنه كان يرى أن هذه الآية نزلت في أهل الأهواء. وقرئ بتشديد السين والمعنى إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فلا تقعد إذا ذكرت مع الذين ظلموا أنفسهم بالاستهزاء بالآيات والتكذيب بها، قيل وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للنبي - صلى الله عليه وسلم - فالمراد التعريض لأمته لتنزهه عن أن ينسيه الشيطان، وقيل لا وجه لهذا فالنسيان جائز عليه كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني، ونحو ذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب