الباحث القرآني

(يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة) أي وقع النداء لها، والمراد به الأذان إذا جلس الخطيب على المنبر يوم الجمعة، لأنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء سواه، ثم كان أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة على ذلك حتى كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذاناً آخر، فأمر بالتأذين أولاً على داره التي تسمى الزوراء، فإذا سمعوا أقبلوا حتى إذا جلس على المنبر أذن المؤذن ثانياً، ولم يخالفه أحد في ذلك الوقت. " لقوله صلى الله عليه وسلم: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ". (من يوم الجمعة) بيان لإذا وتفسير لها قاله الزمخشري، وقال أبو البقاء إن من بمعنى في كما في قوله: (أروني ماذا خلقوا من الأرض) أي في الأرض وجمع الكواشي بينهما، وقرأ الجمهور الجمعة بضم الميم وقرىء بإسكانها تخفيفاً، وهما لغتان، وجمعها جمع وجمعات قال الفراء: يقال الجمعة بسكون الميم وبفتحها وبضمها، وهي صفة لليوم، أي يوم يجمع الناس وقال الفراء أيضاًً وأبو عبيدة: التخفيف أخف وأقيس، نحو غرفة وغرف؛ وطرفة وطرف، وحجرة وحجر وفتح الميم لغة عقيل، وقيل: إنما سميت جمعة لأن الله سبحانه جمع فيها خلق آدم، وقيل: لأن الله تعالى فرغ فيها من خلق كل شيء، فاجتمعت فيها جميع المخلوقات وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة. " وعن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله لأي شيء سمي يوم الجمعة؟ قال لأن فيه جمعت طينة أبيكم آدم، وفيه الصعقة والبعثة، وفي آخره ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها بدعوة استجاب له "، أخرجه سعيد بن منصور، وابن مردويه. و" عن سلمان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قالها ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم آدم، أفلا أحدثكم عن يوم الجمعة "؟ الحديث رواه أحمد والنسائي وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه. و" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة " أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وابن مردويه وفي الباب أحاديث مصرحة بأنه خلق فيه آدم، وورد في فضل يوم الجمعة أحاديث كثيرة، وكذلك في فضل صلاة الجمعة وعظيم أجرها، وفي الساعة التي فيها وأنه يستجاب الدعاء فيها. وقد أوضح شيخنا الشوكاني في شرحه المنتقى بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. وأول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار لبني سالم بن عوف وذلك أنه لما قدم المدينة نزل بقباء، وأقام بها إلى الجمعة، ثم دخل المدينة وصلى الجمعة في تلك الدار، والجمعة فريضة من فرائض الله بهذا النص من كتاب الله، وبما صح في السنة المطهرة، وهي الكثير الطيب، وقد واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم من الوقت الذي شرعه الله تعالى فيه إلى أن قبضه، وحكى ابن المنذر الإجماع على أنها فرض عين، وزاد ابن العربي: ومن نازع في فرضية الجمعة فقد أخطأ ولم يصب، وهي كسائر الصلوات لا يخالفها إلا في مشروعية الخطبتين قبلها، ومن تأمل فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة من الأقوال الساقطة، والمذاهب الزائغة، والاجتهادات الداحضة، قضى من ذلك العجب. ولا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله حرف واحد يدل على ما ادعوه من كون تلك الأمور كالمصر الجامع، والعدد المخصوص، والإمام الأعظم، والحمام ونحوها، شروطاً لصحة الجمعة أو فرضاً من فرائضها، أو ركناً من أركانها فيالله العجب ما يفعل الرأي بأهله، ومن يخرج من رؤوسهم هذه الخزعبيلات الشبيهة بالقصص، والأحاديث الملفقة، وهي عن الشريعة المطهرة بمعزل، وكل من ثبت قدمه ولم يتزلزل عن طريق الحق بالقيل والقال يعرف هذا أحسن المعرفة، ومن جاء بالغلط فغلطه رد عليه، مضروب به في وجهه، وتفصيل ذلك في النيل والسيل للشوكاني. هذا وقد قال الشيخ الرحماني في حاشيته على التحرير: إن أفضل الليالي ليلة المولد، ثم ليلة القدر ثم ليلة الإسراء فعرفة، فالجمعة، فنصف شعبان، فالعيد، وأفضل الأيام يوم عرفة، ثم يوم نصف شعبان، ثم يوم الجمعة، والليل أفضل من النهار. (فاسعوا إلى ذكر الله) قال عطاء: يعني الذهاب والمشي إلى الصلاة، وقال الفراء: المضي والسعي والذهاب في معنى واحد، ويدل على ذلك قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما: فامضوا إلى ذكر الله، كما سيجيء وقيل: المراد القصد، قال الحسن: والله ما هو سعي على الأقدام، ولكنه قصد بالقلوب والنيات. وقيل: المراد به السعي على الأقدام، وذلك فضيلة وليس بشرط، والأول أولى، وقيل: هو العمل قال ابن عباس: يعني ليس المراد به السرعة في المشي، كقوله: (من أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن) وقوله: (إن سعيكم لشتى) وقوله: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)، وقول الداعي: وإليك نسعى ونحفد. قال القرطبي: وهذا قول الجمهور، أي فاعملوا على المضي إلى ذكر الله واشتغلوا بأسبابه من الغسل والوضوء والتوجه إليه، وعن خرشة بن الحر قال رأى معي عمر بن الخطاب لوحاً مكتوباً فيه: (فامضوا إلى ذكر الله) فقال: من أملى عليك هذا؟ قلت: أبيّ بن كعب قال: إن أبياً أقرأنا المنسوخ أقرأها فامضوا إلى ذكر الله؟ رواه ابن المنذر وابن الأنباري وابن أبي شيبة وأبو عبيدة في فضائله وسعيد بن منصور. وروى هؤلاء غير أبي عبيد. " عن ابن عمر قال: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نقرأ هذه الآية التي هي في سورة الجمعة إلا: فامضوا إلى ذكر الله "، وأخرجه عنه أيضاًً الشافعي في الأم، وعبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم، وأخرجوا كلهم أيضاًً عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: فامضوا إلى ذكر الله. قال: ولو كان فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، وعن أبيّ أنه قرأ كذلك، والمراد من ذكر الله هنا صلاة الجمعة، وقيل: موعظة الإمام، والأول أولى، وقال الجمهور: الخطبة. وبه استدل أبو حنيفة على أن الخطيب إذا اقتصر على الحمد لله جاز. " وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا " أخرجه البخاري ومسلم، وهذا الحديث يعم كل صلاة ويدخل فيه صلاة الجمعة، فهو كالتفسير للآية. (وذروا البيع) أي اتركوا المعاملة به ويلحق به سائر المعاملات أو اتركوا عنده بتمامه، فالخطاب لكل من البائع والمشتري، قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل الشراء والبيع. " عن محمد بن كعب أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانا يختلفان في تجارتهما إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فيدعونه ويقومون، فنزلت الآية: (وذروا البيع) فحرم عليهم ما كان قبل ذلك "، أخرجه عبد بن حميد، والمراد بالآية ترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يتكاثر فيه البيع والشراء عند الزوال فقيل لهم: بادروا تجارة الآخرة واتركوا تجارة الدنيا واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح وذروا البيع الذي نفعه يسير. (ذلكم) أي السعي إلى ذكر الله وترك البيع (خير لكم) من البيع والتكسب في ذلك الوقت لما في الامتثال من الأجر والجزاء وفي عدمه من عدم ذلك إذا لم يكن موجباً للعقوبة وتمسك بهذا الشافعية في أن البيع وقت أذان الخطبة إلى انقضاء الصلاة صحيح مع الحرمة، قال في الكشاف: عامة العلماء على أن ذلك لا يوجب الفساد، لأن البيع لم يحرم لعينه بل لما فيه من التشاغل عن الصلاة، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة، وقال مالك: ما وقع في الوقت المذكور يفسخ، وكذا سائر العقود (إن كنتم تعلمون) أي إن كنتم من أهل العلم، فإنه لا يخفى عليكم أن ذلكم خير لكم من مصالح أنفسكم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب