الباحث القرآني

(يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان) أي لا يوقعنكم في الفتنة والمحنة بأن يمنعكم من دخول الجنة فالنهي وإن كان للشيطان فهو في الحقيقة لبني آدم بأن لا يفتتنوا بفتنته ويتأثروا لذلك كما في قولك لا أرينك هنا (كما أخرج) أي: كما فتن. (أبويكم) بأن أخرجهما (من الجنة) أو لا يفتننكم فتنة مثل إخراج أبويكم أو لا يخرجنكم بفتنته إخراجاً مثل إخراجه أبويكم. (ينزع عنهما لباسهما) قد تقدم تفسيرها وأضاف نزعه إلى الشيطان وإن لم يباشر ذلك لأنه كان بسبب وسوسته فأسند إليه، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة التي وقعت فيما مضى، والنزع الجذب للشئ بقوة عن مقره ومنه (تنزغ الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر) ومنه نزع القوس ويستعمل في الأعراض ومنه نزع العداوة والمحبة من القلب ونزع فلان كذا سلبه، ومنه والنازعات غرقاً لأنها تقلع أرواح الكفرة بشدة ومنه المنازعة وهي المخاصمة والنزع عن الشيء الكف عنه والنزوع الاشتياق الشديد ومنه نزع إلى وطنه. واختلفوا في اللباس فقيل الظفر وقيل النور وقيل التقوى، وقيل كان من ثياب الجنة، وهذا أقرب لأن إطلاق اللباس ينصرف إليه، ولأن النزع لا يكون إلا بعد اللبس. (ليريهما سؤآتهما) اللام لام كي وقد تقدم تفسيره أيضاً، والضمير في (إنه) فيه وجهان الظاهر منهما أنه للشيطان، والثاني أن يكون ضمير الشأن، وبه قال الزمخشري ولا حاجة تدعو إلى ذلك. (يراكم هو وقبيله) هذه الجملة تعليل لما قبلها مع ما يتضمنه من المبالغة في تحذيرهم منه، لأن من كان بهذه المثابة كان عظيم الكيد، وكان حقيقاً بأن يحترس منه أبلغ احتراس، والقبيل جمع قبيلة وهي الجماعة المجتمعة التي يقابل بعضهم بعضاً. وقال الليث: كل جيل من جن أو إنس قبيل، وقيل أعوانه من الشياطين وجنوده، وقال مجاهد: الجن والشياطين، وقال ابن زيد: قبيله نسله والقبيلة الجماعة من أب واحد، فليست القبيلة تأنيث القبيل لهذه المغايرة، وقيل الجماعة ثلاثة فصاعداً من قوم شتى، قاله أبو عبيدة والجمع قبل بضمتين والقبيلة لغة فيه، وقبائل الرأس القطع المتصل بعضها ببعض وبها سميت قبائل العرب. (من حيث لا ترونهم) أي إذا كانوا على صورهم الأصلية، أما إذا تصوروا في غيرها فترونهم كما وقع كثيراً، ومن ابتدائية أي رؤية مبتدأة من مكان لا ترونهم فيه، وقيل خلق الله في عيون الجن إدراكاً يرون به الإنس، ولم يخلق هذا في عيون الإنس. وقالت المعتزلة: الوجه في هذا رقة أجسام الجن ولطافتها وكثافة أجسام الإنس. وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن رؤية الشيطان غير ممكنة وليس في الآية ما يدل على ذلك وغاية ما فيها أنه يرانا من حيث لا نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبداً فإن انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقاً. قال مالك بن دينار: إن عدواً يراكم ولا ترونه، كأن في الكلام حذفاً تقديره: جدير بأن يحذر ويتقى: مصحح، والحق جواز رؤيتهم كما هو ظاهر الأحاديث الصحيحة، وتكون الآية مخصوصة بها فيكونون مرئيين في بعض الأحيان لبعض الناس دون بعض، وحكى الواحدي وابن الجوزي عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وجعلت صدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصمه الله تعالى " [[مسلم/2175 أن صفية زوج النبي أخبرته (علي بن حسين) أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنه ساعة ثم قامت تنقل وقام النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي أسرعا فقال النبي على رسلكما إنها صفية بنت حي فقال سلمان الله يا رسول الله فقال رسول الله: " إن الشيطان ...]] كما قال تعالى (الذي يوسوس في صدور الناس) فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم وقال مجاهد قال إبليس جعل لنا أربع نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا شاباً. (إنا جعلنا) أي صيرنا (الشياطين أولياء) أي أعواناً وقرناء (للذين لا يؤمنون) من عباده وهم الكفار.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب