الباحث القرآني

(يغفر لكم من ذنوبكم) هذا جواب الأوامر الثلاثة، " ومن " للتبعيض أي بعض ذنوبكم وهو ما سلف منها قبل طاعة الرسول وإجابة دعوته، وقيل المراد بالبعض ما لا يتعلق بحقوق العباد، فإنها لا تغفر بالإسلام، وهذا كلام ظاهري إذ الحق أنها تغفر من حيث المؤاخذة الأخروية بمعنى أنهم لا يعاقبون عليها في الآخرة، وإن كانت من حيث المؤاخذة عليها في الدنيا لا تغفر، فيطالب الكافر إذا أسلم بالحدود كحد القذف وبالمال الذي ظلم به في الكفر تأمل. وقيل هي لبيان الجنس، وقيل زائدة قاله السدي فإن الإسلام يغفر ما قبله، وهذا على رأي الأخفش الذي لا يشترط في زيادتها تقدم نفي ولا تنكير المجرور بها، والأولى هو الوجه الأول وقيل يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها. (ويؤخركم إلى أجل مسمى) أي يؤخر موتكم إلى الأمد الأقصى المعلوم المعين الذي قدره الله لكم لا يزيد ولا ينقص بشرط الإيمان والطاعة فوق ما قدره لكم على تقدير بقائكم على الكفر والعصيان، وقيل التأخير بمعنى البركة في أعمارهم إن آمنوا، وعدم البركة فيها إن لم يؤمنوا، قال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى آجالكم، وقال الزجاج: أي يؤخركم عن العذاب فتموتوا غير ميتة المستأصلين بالعذاب، فالمؤخر إنما هو العذاب فلا يخالف هذا قوله (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر) لأن المنفي تأخيره فيه هو الأجل نفسه، فلا تخالف بين هذين المحلين، وقال الفراء: المعنى لا يميتكم غرقاً ولا حرقاً ولا قتلاً. (إن أجل الله) أي ما قدره لكم على تقدير بقائكم على الكفر من العذاب (إذا جاء) وأنتم باقون على الكفر (لا يؤخر) بل يقع لا محالة فبادروا إلى الإيمان والطاعة، وقيل المعنى إن أجل الله وهو الموت إذا جاء لا يمكنكم الإيمان. وقيل المعنى إذا جاء الموت لا يؤخر سواء كان بعذاب أو بغير عذاب، وإضافة الأجل إليه سبحانه لأنه هو الذي أثبته، وقد يضاف إلى القوم كقوله (إذا جاء أجلهم) لأنه مضروب لهم (لو كنتم تعلمون) شيئاًً من العلم لسارعتم إلى ما أمرتكم به ولعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر. هذا: وقد سئل الشوكاني رحمه الله تعالى عما ورد في الآيات الكريمات الدالة على أن العمر لا يزيد ولا ينقص، والأحاديث الدالة على أن صلة الرحم تزيد في العمر، فأجاب بما لفظه: قد طال الكلام في هذا البحث، وقد وقفت قبل الآن بنحو ثمان سنين على مؤلف بسيط لبعض الحنابلة في خصوص هذه المسألة، وقد غاب عني اسم الكتاب واسم صاحبه، والأحاديث القاضية بأن صلة الرحم تزيد في العمر أحاديث صحيحة كثيرة منها ما أخرجه البخاري والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ " من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه " [[الحاكم/4/ 160.]]. وعند الترمذي " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر "، والأثر الأجل وإنساؤه تأخيره. وأخرج أحمد في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان ورمز السيوطي في الجامع لصحته من حديث عائشة مرفوعاً [صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن في الأعمار] [[صحيح الجامع/3661.]]. وأخرج القضاعي من حديث ابن مسعود مرفوعاً " صلة الرحم تزيد في العمر وصدقة السر تطفىء غضب الرب " [[صحيح الجامع/3660.]]. وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث عمرو بن سهيل مرفوعاً " صلة الرحم مثراة في المال محبة في الأهل منسأة في الأجل " [[صحيح الجامع/3662.]]. إذا تقرر هذا فالعمر محدود ومعلوم لا يتقدم ولا يتأخر إلا إذا وصل الرجل رحمه مد الله في عمره وزاده، وهكذا حكم سائر الأمور التي وردت الأدلة بأنها تزيد في العمر أو تنقص منه لأنها خاصة، والخاص مقدم على العام، والمقام يحتمل البسط، وفي هذا كفاية والله أعلم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب