الباحث القرآني

(وما يذكرون إلا أن يشاء الله) قرأ الجمهور يذكرون بالياء التحتية، وقرأ نافع ويعقوب بالفوقية وهما سبعيتان، واتفقوا على التخفيف والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، قال مقاتل إلا أن يشاء الله لهم الهدى، وقال في الكشاف يعني إلا أن يقسرهم على الذكر قال الإمام إنه تعالى نفى الذكر مطلقاً واستثنى منه حال المشيئة المطلقة، فيلزم أنه متى حصلت المشيئة يحصل الذكر، فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصل المشيئة، وتخصيص المشيئة بالمشيئة القسرية ترك للظاهر، وقال وهو تصريح بأن فعل العبد بمشيئة الله تعالى ذكره الكرخي. (هو أهل التقوى) أي هو الحقيق بأن يتقيه المتقون بترك معاصيه والعمل بطاعاته (وأهل المغفرة) أي هو الحقيق بأن يغفر للمؤمنين ما فرط منهم من الذنوب، والحقيق بأن يقبل توبة التائبين من العصاة فيغفر ذنوبهم. عن أنس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال: قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله فمن اتقاني فلم يجعل معي إلهاً فأنا أهل أن أغفر له " أخرجه أحمد والدارمي والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وصححه وابن مردويه، وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس مرفوعاً نحوه [[رواه أحمد في " المسند " والترمذي 2/ 168 والحاكم 2/ 508، وابن ماجة، والدارمي، والطبراني في " الأوسط " وابن عدي، وأبو يعلى. والبزار، كلهم من رواية سهيل بن أبي حزم القُطَعي عن ثابت بن أنس، وهو ضعيف كما قال الحافظ ابن حجر في " التقريب " قال الترمذي: حديث حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي في الحديث، وقد تفرد سهيل بهذا الحديث عن ثابت. قال الحافظ ابن حجر في " تخريج الكشاف " 180: ورواه الحكيم الترمذي في السابع والسبعين بعد المائة بلفظ؛ " قال: هو أهل أن يتقى، فمن اتقى فهو أهل أن يغفر له " وله شاهد من رواية عبد الله قال: سمعت ثلاثة نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبا هريرة، وابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم يقولون: سئل رسول الله صلى الله عليه. وسلم عن قوله تعالى ... فذكره.]]. تعليق هام للناشر: إبراز حقيقة قرآنية هذه سورة " المدثر " وهي مكية من أوائل ما نزل من القرآن، وقد ختمها بقوله: 1 - (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) .. الخ كما ختم سورة (اقرأ) وهي أول سورة نزلت بقوله: 2 - (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا (1) بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ). كما نزلت سورة بأسرها تقول: 3 - (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [[السفع: الجذب بقوة واللطم بشدة، والناصية شعر الجبهة.]] مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ). كذلك جاء في سورة المزمل وهي كذلك من أوائل ما نزل: 4 - وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا) [[أولي النعمة الذين يتمتعون بنعم الله وهم الأغنياء والزعماء. والأنكال: الأغلال والقيود. والكثيب تل الرمل، والمهيل الرخو المتداعي للتبعثر.]]. إذا تأملت هذه الآيات وكلها سب وتسفيه وتهديد للمشركين وزعمائهم، مع ملاحظة أنها من أوائل ما نزل، برزت لك حقيقة قرآنية عجيبة، هي أن القرآن يدعو إلى مواجهة خصومه بكل شدة وعنف، فلا هوادة ولا خنوع، مهما كانت الظروف، فهذه الآيات صرخ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الأيام الأولى ولم يكن معة من يغني عنه فتيلاً، في الوقت الذي تمالأ عليه الشرك وأهله لمحوه من الوجود. ولم أر من المفسرين للقرآن من أدرك هذه النقطة غير صاحب التفسير الحديث حيث يقول تعليقاً على آيات سورة اقرأ (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ): والتهديد والتحدي والإنذار والتنديد بالطاغية قوي كل القوة عنيف كل العنف. وتبدو روعة هذه القوة حينما يلاحظ أن النبي عليه السلام لم يكن قد آمن به من يستطيع له نصراً ويقف إلى جانبه، وأن المتصدي له زعيم معتد بقوته وماله وجاهه وناديه. وإذ يتصور المرء النبي صلى الله عليه وسلم، يصرخ بملء فيه صرخته المدوية " كلا، كلا " ثم يقذف بكلمات التنديد والتهديد والتحدي والإنذار القرآنية النارية غير مبال بالزعامة وقوتها، وهو من دون نصير من الناس، يدرك من دون ريب تلك الشجاعة التي كان يتحلى بها والتي استمدها من إيمان قوي عميق متول على مشاعره، جعله لا يرى إلا عظمة لله ولا قوة إلا لله ولا سلطاناً إلا لله، وجعله يرى كل ما عداه أضعف من أن يخشى، وأعجز من أن يستطيع له نفعاً أو ضراً، أو يقف أمام دين الله ويحول دون الدعوة إليه. ويدرك بهذا ما تحلى به من عظمة الخلق وقوة الجنان وعمق اليقين. ويتبادر من عنف الآيات وقوتها القارعة أن الحكمة الربانية اقتضت أن يكون الرد على أول متصد للنبي صلى الله عليه وسلم، من الزعماء الأقوياء بهذا الأسلوب لتثبيت النبي وأصحابه القلائل الذين آمنوا به ومواجهة الزعيم القوي بقوة وعنف يصدمانه على غير توقع. ولا شك في أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد تلا الآيات على أصحابه، فقوت من روحهم وزادتهم إيماناً، ووصلت إلى صاحبها وناديه فصعقهم بعنفها وجعلتهم يشعرون بالقوة الروحية التي يستمد منها النبي، وازداد النبي بهذا وذاك قوة وعزماً على الاستمرار في مهمته، غير مبال بالزعيم القوي وناديه. وقد روى الطبري أن الذي عنته الآيات هو عمرو بن هشام المخزومي الذي عرف في التاريخ الإسلامي بأبي جهل وكان من كبار الزعماء وأشد أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، ورسالته والمؤلبين عليه. " وقد روي أنه لما تصدى للنبي صلى الله عليه وسلم، انتهره وأغلظ له وتوعده، وأنه قال: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟ وأنه قال: لئن رأيته يصلي ثانية لأطأن عنقه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم، استمر على الصلاة في فناء الكعبة فرآه أبو جهل ولكنه لم يلبث أن نكص على عقبيه رافعاً يديه كأنما يقي بهما نفسه فقيل له ما لك؟ فقال إن بيني وبينه خندقاً من نار، وقد اسود ما بيني وبينه من الكتائب ". على أن جملة (فليدع ناديه) تسوغ القول إن أبا جهل لم يكن وحيداً في موقفه من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما تدل عليه الآيات التي نزلت بعد هذه الآيات في مناسبات عديدة مبكرة. وليس بعيداً أن يكون تعبير " ناديه " قد عنى دار الندوة التي كان يجتمع فيها أهل الحل والعقد في مكة الذين هم رؤساء الأسر القرشية البارزة، وقد كانت هذه الدار قرب الكعبة. فإذا صح هذا فإن من السائغ أن يقال إن السلطات الرسمية قد رأت في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، علناً بصلاة جديدة لا عهد للناس بها وفي دعوته الناس جهاراً إلى دين يخالف ما عليه الناس بدعة، ورأت وجوب الوقوف في وجهها، وأنها عمدت إلى أعضائها بتنفيذ ذلك، أو أن هذا العضو كان أشد حماساً ضدها من غيره فكان هو المتصدي اهـ. ومنطق القوة هذا يذكرنا بموقف لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بدء توليه الخلافة فقد ارتد كثير من العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هناك جيش أعده النبي قبل وفاته، فرأى بعض الصحابة أن لا يمضي هذا الجيش إلى وجهته، وأن يبقى لتأديب أهل الردة، ولكن الخليفة الراشد أبى، وأصر على أن يمضي الجيش الذي أمر به النبي إلى وجهته، فكانت النتيجة أن أهل الردة اضطربوا وقالوا لولا أن الخليفة أعد لنا قوة كبرى ما سمح لهذا الجيش أن يذهب إلى غيرنا - وكان النصر حليف المؤمنين. ... وهناك نكتة أخرى وهي أن القرآن كان حريصاً على مواجهة المشركين ومصارحتهم وإعلانهم بأوصافهم كما في الآيات السابقة ولم يسمح بأدنى تردد أو كتمان أو إخفاء مراعاة للظروف، مع أن هناك آية تقول (وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) وهذه الآية نزلت في قصة زيد وزينب، وخلاصتها أن العرب كانت من عادتها التبني، وهو أن يتخذ الرجل ولداً من غيره يتبناه، فإذا كبر الولد وتزوج لا يجوز للرجل الذي تبناه أن يتزوج امرأته إذا طلقها وجاء الإسلام بإبطال هذه العادة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم، قد تبنى زيداً في صغره فلما كبر تزوج زيد بزينب بنت جحش وهي من الأشراف وهو دونها في الشرف، فلم يستقم الحال بينهما فطلقها زيد، فجاء القرآن يكلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يتزوج بزينب ليكون هو أول من يبطل هذه العادة، وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم، تردد بعض الشيء في التنفيذ لما فيه من إتاحة الفرصة للمنافقين أن يلمزوه صلى الله عليه وسلم، ويقولوا إن محمداً تزوج حليلة ولده، وما هو بولده. فأنت ترى أنه صلى الله عليه وسلم، قد يخفي بعض الأمور الفرعية إلى حين مراعاة للظروف، أما الشرك وهدمه من جذوره، وهي وظيفة الرسل الأصلية، فكان يؤدي دوره فيه بكل صراحة ووضوح. (علنية الدعوة في بدئها) وهذه الآيات التي سبقت في صدر هذا التعليق تدل على خلاف ما روي بأن الدعوة النبوية قد بدأت سرية، وتدل بقوة على أنها بدأت علنية، وكل ما يمكن أن يقال إزاء ما ورد في الأحاديث التي تروي أقوال بعض أصحاب رسول الله مثل ما روي عن عمر في قصة إسلامه حيث سأل بعد إسلامه " أنحن على حق أم باطل؟ فقال له رسول الله: بل على حق، فقال ففيم التخفي إذا " هو أن النبي صلى الله عليه وسلم، حماية لأصحابه كان يلزم الحذر والتحفظ في الصلاة والاجتماع بهم، غير أن دعوته للناس كانت وظلت جهرة. وهذا هو المعقول المتسق مع هدف الدعوة وإيمان النبي بالله ورسالته.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب