الباحث القرآني

(إنما النسيء) قال الجوهري: النسيء فعيل بمعنى مفعول، من قولك نسأت الشيء فهو منسوء إذا أخرته ثم تحول منسوء إلى نسيء كما تحول مقتول إلى قتيل. وإلى ذلك نحا أبو حاتم، وقيل مصدر على فعيل من أنسأ أي أخر كالنذير من أنذر والنكير من أنكر، وهذا ظاهر قول الزمخشري لأنه يحتاج إلى تقدير بخلاف ما إذا كان صفة فإنه لا يخبر عنه بزيادة إلا بتأويل أي ذو زيادة أو إنساء النسيء زيادة. قال ابن جرير: في النسيء بالهمزة معنى الزيادة، يقال نسأ إذا زاد، ولا يكون بترك الهمزة إلا من النسيان كما قال تعالى: (نسوا الله فنسيهم). وقرأ الجمهور النسيء بهمزة بعد الياء وغيرهم بإدغام الياء، وقرئ النسء بإسكان السين، والنسؤ بزنة فعول وهو التأخير، وفعول في المصادر قليل، والنسيئة كالفعيلة التأخير، وكذلك النساء بالفتح والمد التأخير، والنسيء في الآية فعيل بمعنى مفعول كما تقدم. وكانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم المذكورة، فإذا احتاجوا إلى القتال فيها قاتلوا فيها وحرموا غيرها، فإذا قاتلوا في المحرم حرموا بدله شهر صفر وهكذا في غيره، وكان الذي يحملهم على هذا أن كثيراً منهم إنما كانوا يعيشون بإغارة بعضهم على البعض، ونهب ما يمكنهم نهبه من أموال من يغيرون عليه، ويقع بينهم بسبب ذلك القتال، وكانت الأشهر الثلاثة المسرودة يضربهم تواليها وتشتد حاجاتهم وتعظم فاقتهم، فيحلون بعضها ويحرمون مكانه بقدره من غير الأشهر الحرم. فهذا هو معنى النسيء الذي كانوا يفعلونه. وقد وقع الخلاف في أول من فعل ذلك، فقيل هو رجل من بني كنانة يقال له حذيفة بن عبيد ويلقب القلمس، وقيل هو عمرو بن لحي، وقيل هو نعيم بن ثعلبة من بني كنانة. (زيادة في الكفر) أي نوع من أنواع كفرهم ومعصية من معاصيهم المنضمة إلى كفرهم بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، وفي الشهاب يعني أنهم لما توارثوه على أنها شريعة ثم استحلوه كان ذلك مما يعد كفراً. (يضل به الذين كفروا) قرئ على البناء للمعلوم والمجهول، ومعنى الأولى أن الكفار يضلون بما يفعلون من النسيء، ومعنى الثانية أن الذي سن لهم ذلك يجعلهم ضالين بهذه السنة السيئة، والأولى من طريق العشرة، والثانية سبعية. (يحلونه) أي النسيء (عاماً ويحرمونه عاماً) أو الشهر الذي يؤخرونه ويقاتلون فيه، أي يحلونه عاماً بإبداله بشهر آخر من شهور الحل ويحرمونه عاماً أي يحافظون عليه فلا يحلون فيه القتال بل يبقونه على حرمته، والجملة تفسيرية للضلال أو حالية. (ليواطئوا عدة ما حرم الله) أي لكي يواطئوا، والمواطأة الموافقة، يقال تواطأ القوم على كذا أي توافقوا عليه واجتمعوا، والمعنى أنهم لم يحلوا شهراً إلا حرموا شهراً لتبقى الأشهر الحرم أربعة، قال قطرب: معناه عمدوا إلى صفر فزادوه في الأشهر الحرم وقرنوه بالمحرم في التحريم، وكذا قال الطبري. (فيحلوا ما حرم الله) من الأشهر الحرم التي أبدلوها بغيرها، ولم ينظروا إلى أعيانها (زين لهم سوء أعمالهم) أي زين لهم الشيطان أعمالهم السيئة التي يعملونها ومن جملتها النسيء فظنوه حسناً، وقرئ على البناء للفاعل (والله لا يهدي القوم الكافرين) أي المصرين على كفرهم المستمرين عليه فلا يهديهم هداية توصلهم إلى المطلوب، وأما الهداية بمعنى الدلالة على الحق والإرشاد إليه فقد نصبها الله سبحانه لجميع عباده.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب