الباحث القرآني

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي: بقولهن وغِيبتهن. ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ﴾ أعتدت من العتاد [[في تفسير الطبري ١٢/١١٩ "وأعتدت: أفعلت من العتاد، وهو العدة. ومعناه. أعدت لهن متكأ، يعني مجلسا للطعام، وما يتكئن عليه من النمارق والوسائد، وهو مفتعل من قول القائل: اتكأت، يقال: ألق له متكأ يعني ما يتكئ عليه".]] . ﴿مُتَّكَأً﴾ أي: طعاما. يقال: اتكأنا عند فلان: إذا طعمنا. وقد بينت أصل هذا في كتاب "المشكل" [[راجع تأويل مشكل القرآن ٣٢، ١٣٨.]] . ومن قرأ "مُتْكًا" [[مخففا غير مهموز، كالضحاك ومجاهد وسعيد بن جبير راجع تفسير القرطبي ٩/١٧٨ واللسان ١٢/٣٧٤ والبحر المحيط ٥/٣٠٢.]] فإنه يريد الأتْرُجّ. ويقال: الزُّمَاوَرْد [[في تفسير الطبري ١٢/١١٩ "وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: المتكأ هو النمرق يتكأ عليه وقال: زعم قوم أنه الأترج. قال وهذا أبطل باطل في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع المتكأ أترج يأكلونه. وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبي عبيدة ثم قال: والفقهاء أعلم بالتأويل منه. ثم قال: ولعله بعض ما ذهب من كلام العرب، فإن الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شيء كثير انقرض أهله. والقول في أن الفقهاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة كما قال أبو عبيد لا شك فيه، غير أن أبا عبيدة لم يبعد من الصواب في هذا القول، بل القول كما قال من أن من قال للمتكأ هو الأترج إنما بين المعدّ في المجلس الذي فيه المتكأ والذي من أجله أعطين السكاكين لأن السكاكين معلوم أنها لا تعد للمتكأ إلا لتخريقه، ولم يعطين السكاكين لذلك" وقد لمح الطبري في قوله هذا كلام ابن قتيبة هنا.]] . وَأَيَّا مَّا كان فإني لا أحسبه سُمّي مُتَّكَأً إلا بالقطع؛ كأنّه مأخوذ من الْبَتْك. وأبدلت الميم فيه من الباء. كما يقال: سَمَّدَ رأْسَه وَسَبَّدَه. وَشَرٌّ لازِم ولازِب. والميم تبدل من الباء كثيرا لقرب مخرجهما. ومنه قيل للمرأة التي لم تُخْفَض، والتي لا تَحبس بولها: مَتْكََاء - أي: خَرْقَاء - والأصل بَتْكَاء. ومما يدل على هذا قوله: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ ؛ لأنه طعام لا يُؤكل حتى يُقطع. وقال جُوَيْبِر، عن الضحاك: [الْمَتْك] كلّ شيء يُحَزُّ بالسكاكين [[راجع تفسير الطبري ١٢/١٢٠ والدر المنثور ٤/١٦.]] . ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ هَالَهُن فَأَعْظَمْنَه.