الباحث القرآني

نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا
﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ أي: مُتَنَاجون: يُسَارُّ بعضهم بعضا. ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ قال أبو عبيدة: يريدون بشرا ذا سَحْرٍ، أي ذا رِئَةٍ [[بقية كلام أبي عبيدة "رئة فهو لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو مثلكم وليس بملك، وتقول العرب للجبان: قد انتفخ سحره، ولكل من أكل من آدمي وغيره أو شرب: مسحور ومسحر" ونصه في البحر المحيط ٦/٤٤، وتفسير القرطبي ١٠/٢٧٢، وتفسير الطبري ١٥/٦٧.]] ولست أدري ما اضطره إلى هذا التفسير المستكره؟ . وقد سبق التفسير من السلف بما لا استكراه فيه. قال مُجَاهد في قوله: ﴿إِلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ أي مَخْدُوعًا؛ لأن السحر حيلة وخديعة. وقالوا في قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [[سورة المؤمنون ٨٩.]] أي من أين تخدَعون؟ و﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [[سورة الشعراء ١٥٣.]] أي من المُعَلَّلِينَ [[في اللسان ٦/١٢ "وسحره بالطعام والشراب: غذاه وعلله، وقيل: خدعه ".]] . وقال امرؤ القيس: ونُسْحَرُ بالطَّعام وبالشرابِ [[صدره: "أرانا موضعين لأمر غيب" كما في ديوانه ٤٧، وتفسير القرطبي ١٠/٢٧٣، وفي اللسان ٦/١٣ "قال ابن بري قوله: موضعين أي مسرعين. وقوله: لأمر غيب، يريد الموت وأنه قد غيب عنا وقته ونحن نلهى بالطعام والشراب. والسحر: الخديعة. وقول لبيد ... يكون على الوجهين".]] أي نُعَلَّل، فكأنا نخدع. وقال لَبِيد: فإن تسألينا: فيمَ نحن؟ فإنَّنا ... عصافيرُ من هذا الأنام المُسَحَّرِ [[تفسير الطبري ١٥/٦٧، والقرطبي ١٠/٢٧٢، والبحر المحيط ٦/٤٤، واللسان ٦/١٤.]] أي المُعَلَّل. والناس يقولون: سحرْتني بكلامك. يريدون خدعتني. وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ﴾ [[سورة الإسراء ٤٨.]] يدل على هذا التأويل لأنهم لو أرادوا رجلا ذا رِئَةٍ، لم يكن في ذلك مَثَلٌ ضربوه. ولكنهم لما أرادوا رجلا مَخْدُوعًا – كأنه بالخديعة سُحِر – كان مثلا ضربوه، وتشبيها شبّهوه. وكأن المشركين ذهبوا إلى أن قومًا يعلِّمونه ويخدعونه. وقال الله في موضع آخر حكاية عنهم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [[سورة النحل ١٠٣.]] وقول فرعون: ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [[سورة الإسراء ١٠١.]] لا يجوز أن يكون أراد به: إني لأظنك إنسانًا ذا رِئَةٍ؛ وإنما أراد: إني لأَظنك مَخْدُوعًا. (والرُّفَاتُ) : مَا رُفِتَ [[في اللسان ٢/٣٣٨ "الرفات: الحطام من كل شيء تكسر".]] . وهو مثل الفُتَات.