الباحث القرآني

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ۚ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ
﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أي ينتظرُ سوءًا ينالُه منهم. ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أي يستغيثُ به. يعني: الإسرائيليَّ. ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ يجوز أن يكون هذا القولُ للإسرائيليّ [[كما قال ابن عباس واختاره الطبري ٢٠/٣١.]] . أي أغْوَيْتَنِي بالأمس حتى قتلتُ بنُصرتِك رجلا. ويجوز أن يكون لعدوِّهما [[القبطي. كما قال الحسن، على ما في تفسير القرطبي ١٣/٢٦٥.]] . ﴿يَسْعَى﴾ أي يُسرِعُ [في مشيه] [[كما في تأويل المشكل ٣٩٠، وانظر تفسير الطبري ٢٠/٣٣.]] . ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ﴾ يعني: الوُجوهَ من الناس والأشراف [[كما تقدم: ص ١٧١. وانظر: البحر المحيط ٧/١١١.]] . ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ قال أبو عبيدة: [[اللسان ٥/٨٩. وراجع: تفسير الطبري ٢٠/٣٢-٣٣، والقرطبي ١٣/٢٦٦.]] "يتشاورون فيك ليقتلوك". واحتَج بقول الشاعر: أحارُ بنَ عمرٍو! كأنِّي خَمِرْ ... ويَعْدُو على المرءِ ما يَأْتَمِرْ [[ورد البيت في اللسان ٥/٩٠ منسوبا لامرئ القيس. وهو مطلع قصيدة في ديوانه ٧٧، كما ورد في اللسان ٥/٨٩ منسوبا للنمر بن تولب بلفظ: "فؤادي قمر".]] وهذا غلط بيّنٌ لمن تدبر، ومضادَّةٌ للمعنى. كيف يعدو على المرء ما شاور فيه، والمشاورةُ بركة وخير؟! وإنما أراد: يعدو عليه ما همّ به للناس من الشر. ومثله: قولهم: "مَن حفر حفرة وقع فيها". وقوله: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ﴾ أي يَهِمُّون بك. يَدُلُّك على ذلك قولُ النَّمِر بن تَوْلَب: اعْلَمَنْ أنْ كلَّ مُؤْتَمَرٍ ... مُخْطِئٌ في الرَّأي أحْيَانَا [[البيت في اللسان ٥/٨٩. وقد ورد فيه كلام ابن قتيبة باختصار. ونقله كذلك الأزهري في التهذيب.]] فإذَا لم يصِبْ رَشَدًا ... كانَ بعضُ الَّلومِ ثُنْيَانَا يعني: أن كل من ركب هواهُ وفعل ما فعل بغير مشاورة فلا بد من أن يخطئَ أحيانًا. فإذا لم يُصبْ رُشْدًا لامَهُ الناسُ مرتَيْن: مرةً لركوبه الأمرَ بغير مشاورة، ومرةً لغلطه. ومما يدلك على ذلك أيضا قولُه عز وجل: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [[سورة الطلاق ٦، وفي البحر ٧/١١١: "وقال ابن قتيبة: يأمر بعضهم بعضا بقتله، من قوله تعالى ... ". وانظر تفسير القرطبي.]] لم يُرِد تَشاوَرُوا، وإنما أراد: هُمُّوا به، واعتَزِموا عليه. وقالوا في تفسيره: هو أن لا تُضِرّ المرأةُ بزوجها، ولا الزوجُ بالمرأة. ولو أراد المعنى الذي ذهب إليه أبو عُبيدةَ، لكان أوْلَى به أن يقول: "إن الملأََ يَتَآمَرُون فيك" أي يَسْتَأمِرُ بعضُهم بعضًا.