الباحث القرآني

وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أي يُظْلم بصره. هذا قول أبي عبيدةَ [[والأخفش. على ما في القرطبي ١٦/٩٠. وورد كلام ابن قتيبة هذا ومعظم ما يليه: في تهذيب الأزهري؛ على ما في اللسان ١٩/٢٨٧. كما ورد بعض رده على الفراء: في القرطبي.]] . قال الفراء: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أي يُعرِضُ عنه. ومن قرأ: (وَمَنْ يَعْشَ) بنصب الشين [[كابن عباس وعكرمة ويحيى بن سلام البصري. على ما في القرطبي ١٦/٨٩، والبحر ٨/١٥-١٦. وانظر الطبري ٢٥/٤٤.]] أراد: [من] يعم عنه. وقال في موضع آخر: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [[سورة الكهف ١٠١.]] . ولا أرى القول إلا قولَ أبي عبيدةَ. ولم أر أحدًا يُجيز "عَشَوْتُ عن الشيء: أعرضتُ عنه؛ إنما يقال: "تَعاشَيْتُ عن كذا"؛ أي تغافلتُ عنه كأني لم أره. ومثله: "تعامَيْتُ". والعرب تقول: "عَشَوْتُ إلى النار" إذا استدللتُ إليها ببصر ضعيف [[قال أبو منصور الأزهري في التهذيب - على ما في اللسان ١٩/٢٨٧ - بعد أن ذكر هذا: "أغفل القتيبي موضع الصواب، واعترض - مع غفلته - على الفراء يرد عليه. فذكرت قوله لأبين عواره، فلا يغتر به الناظر في كتابه. والعرب تقول: "عشوت إلى النار أعشوعشوا، أي قصدته مهتديا به وعشوت عنها، أي أعرضت عنها" فيفرقون بين "إلى" و"عن": موصولين بالفعل" ثم نقل عن أبي زيد وأبي الهيثم ما يثبت ذلك ويؤكده. وقال القرطبي ١٦/٩٠: "والقول قول أبي الهيثم والأزهري". وقد انتصر الطبري ٢٥/٤٣-٤٤ لرأي الفراء، ونقله عن قتادة.]] قال الحُطَيْئة: مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدِ [[البيت له: في ديوانه ٢٥، واللسان ١٩/٢٨٦. وغير منسوب: في القرطبي ١٦/٨٩. وبعجز آخر - هو: *تجد حطبا جزلا ونارا تأججا* - في الطبري. وهو بيت آخر مشهور.]] ومنه حديث ابن المسيّب: "أن إحدى عينَيْهِ ذهبتْ وهو يَعْشُو بالأخرى"؛ أي يبصر بها بصرًا ضعيفًا [[كما في اللسان ١٩/٢٨٦، والنهاية ٣/٨٩.]] .