الباحث القرآني

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [[في كتاب الله: الذي كتب فيه كل ما هو كائن في قضائه الذي قضى يوم خلق السماوات والأرض. راجع تفسير الطبري ١٠/٨٨.]] ثم قال: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: الحساب الصحيح والعدد المستوي. والأربعة الحرم: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. ورجب الشهر الأصم. وقال قوم: هي الأربعة الأشهر التي أجَّلَهَا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم المشركين فقال: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ وهي: شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. واحتجوا بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [[سورة التوبة ٥.]] وأنكروا أن يكون رجب منها. وكانت العرب تعظم رجب وتسمّيه مُنْصِلَ الأَسِنَّة ومُنصلَ الأَلِّ؛ لأنهم كانوا ينزعون الأسنة فيه والأَلَّ وهي الحراب [[في اللسان ١٣/٢٤ "الأل بالفتح: جمع ألة وهي الحربة في نصلها عرض".]] . ويسمونه أيضا: شهر الله الأصم؛ لأنهم كانوا لا يحاربون فيه لأنه محرم عليه. ولا يسمع فيه تداعي القبائل أو قعقعة السلاح. قال الأعشى: تَدَارَكَهُ في مُنْصِل الأَلِّ بعْدَمَا ... مَضَى غير دَأْدَاءٍ وقد كادَ يَذْهَبُ [[ديوانه ١٣٨ واللسان ١/٦٣، ١٣/٢٤، ١٤/١٨٧ وطبقات فحول الشعراء ٦٢. والدأداء: الليلة التي تكون في آخر الشهر فيشك فيها. قال الأزهري: "أراد أنه تداركه في آخر ليلة من ليالي رجب".]] وقال حُمَيْدُ بْنُ ثَوْر يصف إبلا: رَعَيْنَا المُرَارَ الجَوْنَ مِنْ كُلِّ مِذْنَبٍ ... شهورَ جُمَادَى كلها والمُحَرَّما [[ديوانه ٩ واللسان ١٥/١١ وفي اللسان ٧/١٣ "المرار: شجر مر إذا أكلته الإبل قلصت عنه مشافرها" وفيه ١٦/٢٥٤ "الجون: النبات الذي يضرب إلى السواد من شدة خضرته" وفيه ١/٣٧٦ "المذنب مسيل الماء" وفي ديوانه "يعنى أنها رعت ستة أشهر أولها المحرم وآخرها جمادى حتى سمنت".]] يريد بالمحرم رجبا. وأما قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ فإنما عنى الثلاثة منها؛ لأنها متوالية لا أنَّهُ جعل فيها شوَّالا وأخرج رجبًا. ويقال: إن الأربعة الأشهر التي أجَّلها رسول الله المشركين من عشر ذي الحجة إلى عشر ربيع الآخر وسماها حُرُمًا لأن الله حرم فيها قتالهم وقتلهم.