الباحث القرآني

الدّافِقُ عَلى بابِهِ، لَيْسَ فاعِلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَما يَظُنُّهُ بَعْضُهُمْ، بَلْ هو بِمَنزِلَةِ ماءٍ جارٍ وواقِفٍ وساكِنٍ. وَلا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِالصُّلْبِ صُلْبُ الرَّجُلِ. واخْتُلِفَ في التَّرائِبِ فَقِيلَ: المُرادُ بِها تَرائِبُهُ أيْضًا، وهي عِظامُ الصَّدْرِ ما بَيْنَ التَّرْقُوَةِ إلى الثَّنْدُوَةِ. وَقِيلَ: المُرادُ تَرائِبُ المَرْأةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ يَخْرُجُ مِن الصُّلْبِ والتَّرائِبِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ماءُ الرَّجُلِ خارِجًا مِن بَيْنَ هَذَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ كَما قالَ في اللَّبَنِ: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ﴾ [النحل: ٦٦] وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّهُ خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والنُّطْفَةُ هي ماءُ الرَّجُلِ، كَذَلِكَ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والنُّطْفَةُ الماءُ الصّافِي قَلَّ أوْ كَثُرَ، والنُّطْفَةُ ماءُ الرَّجُلِ، والجَمْعُ نُطَفٌ. وَأيْضًا فَإنَّ الَّذِي يُوصَفُ بِالدَّفْقِ والنَّضْحِ إنّما هو ماءُ الرَّجُلِ، ولا يُقالُ نَضَحَتْ المَرْأةُ الماءَ ولا دَفَقَتْهُ، واَلَّذِي أوْجَبَ لِأصْحابِ القَوْلِ الآخَرِ ذَلِكَ أنَّهم رَأوْا أهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: التَّرائِبُ مَوْضِعُ القِلادَةِ مِن الصَّدْرِ. قالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ اللُّغَةِ مُجْمِعُونَ عَلى ذَلِكَ وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ: ؎مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ وَهَذا لا يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ التَّرائِبِ بِالمَرْأةِ، بَلْ يُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ والمَرْأةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّرائِبُ عِظامُ الصَّدْرِ ما بَيْنَ التَّرْقُوَةِ إلى الثَّنْدُوَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] الصَّحِيحُ أنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ عَلى الإنْسانِ، أيْ إنّ اللَّهَ عَلى رَدِّهِ إلَيْهِ لَقادِرٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو اليَوْمُ الَّذِي يُبْلى فِيهِ السَّرائِرُ، ومَن قالَ: " إنّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ عَلى الماءِ أيْ أنَّ اللَّهَ عَلى رَجْعِهِ في الإحْلِيلِ أوْ في الصَّدْرِ أوْ حَبْسِهِ عَنْ الخُرُوجِ لَقادِرٌ " فَقَدْ أبْعَدَ، وإنْ كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قادِرًا عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ السِّياقَ يَأْباهُ، وطَرِيقَةُ القُرْآنُ - وهي الِاسْتِدْلال بِالمَبْدَإ والنَّشْأةِ الأُولى عَلى المَعادِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ - وأيْضًا فَإنَّهُ قَيَّدَهُ بِالظَّرْفِ، وهو ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] والمَقْصُودُ أنَّهُ سُبْحانَهُ دَعا الإنْسانَ أنْ يَنْظُرَ في مَبْدَأِ خَلْقِهِ ورِزْقِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّهُ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى مَعادِهِ ورُجُوعِهِ إلى رَبِّهِ. * وقال في (تحفة المودود) قال الزجاج: قال أهل اللغة أجمعون: التربة، موضع القلادة من الصدر، والجمع: ترائب. وقال أبو عبيدة: الترائب معلق الحلق من الصدر، وهو قول جميع أهل اللغة، وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما. يريد صلب الرجل وترائب المرأة. وهو موضع قلادتها، وهو قول الكلبي ومقاتل وسفيان وجمهور أهل التفسير وهو المطابق لهذه الأحاديث، وبذلك أجرى الله العادة في إيجاد ما يوجده من أصلين، كالحيوان والنبات وغيرهما من المخلوقات. فالحيوان ينعقد من ماء الذكر وماء الأنثى، كما ينعقد النبات من الماء والتراب والهواء. ولهذا قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ فإن الولد لا يكون إلا من بين الذكر وصاحبته. ولا ينقض هذا بآدم وحواء أبوينا، ولا بالمسيح، فإن الله سبحانه خلط تراب آدم بالماء حتى صار طينا، ثم أرسل الله الهواء والشمس عليه حتى صار كالفخار، ثم نفخ فيه الروح، وكانت حواء مستلّة منه، وجزءا من أجزائه. والمسيح خلق من ماء مريم، ونفخ الملك. فكانت النفخة له كالأب لغيره. (لطائف وفوائد) روى قيس بن الربيع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إن في معاريض الكلام ما يغني الرجل عن الكذب". وقال الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: "ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم". وقال الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط، وكانت من المهاجرات الأول: "لَمْ أسْمَعْ رَسُولَ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآلهِ وسلمَ يُرَخِّصُ في شَيء مَّمِا يَقُولُ النّاسُ إنّهُ كَذِبٌ إلا في ثَلاثٍ: الرَّجُل يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ، والَّرجُلِ يَكْذِبُ لامْرَأتِه، والكَذِبِ في الحَرْبِ". ومعنى الكذب في ذلك هو المعاريض لا صريح الكذب. وقال منصور: كان لهم كلام يدرءون به عن أنفسهم العقوبة والبلايا، وقد لقى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم طليعة للمشركين، وهو في نفر من أصحابه فقال المشركون: "ممَّنْ أنْتُمْ؟ فقالَ النَّبُي صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ: نَحْنَ مِن ماءٍ. فَنَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَقالُوا: أحْياءُ اليَمَنِ كَثِيرٌ، لَعَلّهم منهم، وانْصَرَفُوا". وأراد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقوله "نحن من ماء" قوله تعالى: ﴿خُلقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]. ولما وطئ عبد الله بن رواحة جاريته أبصرته امرأته فأخذت السكين وجاءته فوجدته قد قضى حاجته. فقالت: لو رأيتك حيث كنت لوجأت بها في عنقك. فقال ما فعلت؟ فقالت: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن. فقال: ؎شَهِدْتُ بأنّ وعْدَ اللهِ حَق ∗∗∗ وأنّ النّارَ مَثْوى الكافِرينا ؎وَأنّ العَرْش فَوْقَ الماءِ طافٍ ∗∗∗ وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينَ ؎وَتَحْمِلُهُ مَلائِكَةٌ شِدادٌ ∗∗∗ مَلائِكَةُ الإلهِ مُسَوَّمِينا فقالت: آمنت بكتاب الله وكذبت بصري. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فضحك حتى بدت نواجذه. قال ابن عبد البر: ثبت ذلك عن عبد الله بن رواحة. ويذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: عجبت لمن يعرف المعاريض، كيف يكذب؟ ودُعيَ أبو هريرة رضي الله عنه إلى طعام فقال: "إني صائم ثم رأوه يأكل. فقالوا: ألم تقل: إني صائم؟ فقال: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صِيامَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ صِيامُ الدَّهرِ". وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه غريم ولا شيء معه، قال: أعطيك في أحد اليومين إن شاء الله تعالى. فيظن أنه أراد يومه والذي يليه، وإنما أراد يومي الدنيا والآخرة. * (فصل) وَإذا تَأمَّلت ما دعى الله سُبْحانَهُ في كِتابه عباده إلى الفِكر فِيهِ أوقعك على العلم بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبوحدانيته وصفات كَماله ونعوت جَلاله من عُمُوم قدرته وعلمه وكَمال حكمته ورَحمته وإحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاهُ وغضبه وثوابه وعقابه فَبِهَذا تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته ونَذْكُر لذَلِك امثلة مِمّا ذكرها الله سُبْحانَهُ في كِتابه يسْتَدلّ بها على غَيرها فَمن ذَلِك خلق الإنسان وقد ندب سُبْحانَهُ إلى التفكر فِيهِ والنَّظَر في غير مَوضِع من كِتابه كَقوله تَعالى: ﴿فَلْينْظر الإنْسان مِم خلق﴾ وَقوله تَعالى: ﴿وَفِي أنفسكُم أفلا تبصرون﴾ وَقالَ تَعالى ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ وَقالَ تَعالى ﴿أيحسب الإنْسان أن يتْرك سدى ألم يَك نُطْفَة من مني يمنى ثمَّ كانَ علقَة فخلق فسوى فَجعل مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذّكر والأُنْثى ألَيْسَ ذَلِك بِقادِر على أن يحيي المَوْتى﴾ وَقالَ تَعالى ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قَرار مكين إلى قدر مَعْلُوم فقدرنا فَنعم القادرون﴾ وَقالَ ﴿أولم ير الإنْسان أنا خلقناه من نُطْفَة فَإذا هو خصيم مُبين﴾ وَقالَ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ (١٤)﴾ وهَذا كثير في القُرْآن يَدْعُو العَبْد إلى النّظر والفكر في مبدأ خلقه ووسطه وآخره إذْ نَفسه وخلقه من أعظم الدَّلائِل على خالقه وفاطره وأقرب شَيْء إلى الإنسان نَفسه وفِيه من العَجائِب الدّالَّة على عَظمَة الله ما تَنْقَضِي الأعمار في الوُقُوف على بعضه وهو غافل عَنهُ معرض عَن التفكر فِيهِ ولَو فكر في نَفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عَن كفره قالَ الله تَعالى ﴿قتل الإنْسان ما أكفره من أي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره ثمَّ السَّبِيل يسره ثمَّ أماتَهُ فأقبره ثمَّ إذا شاءَ أنشره﴾ فَلم يُكَرر سُبْحانَهُ على أسماعنا وعقولنا ذكر هَذا لنسمع لفظ النُّطْفَة والعلقة والمضغة والتُّراب ولا لنتكلم بها فَقَط ولا لمُجَرّد تعريفنا بذلك بل لأمر وراء ذَلِك كُله هو المَقْصُود بِالخِطابِ واليه جرى ذَلِك الحَدِيث فانْظُر الآن إلى النُّطْفَة بِعَين البصيرة وهِي قَطْرَة من ماء مهين ضَعِيف مستقذر لَو مرت بها ساعَة من الزَّمان فَسدتْ وانتنت كَيفَ استخرجها رب الأرباب العَلِيم القَدِير من بَين الصلب والترائب منقادة لقدرته مطيعة لمشيئته مذللة الانقياد على ضيق طرقها واخْتِلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها وكَيف جمع سُبْحانَهُ بَين الذّكر والأنثى وألقى المحبَّة بَينهما وكَيف قادهما بسلسلة الشَّهْوَة والمحبة إلى الِاجْتِماع الَّذِي هو سَبَب تخليق الوَلَد وتكوينه وكَيف قدر اجْتِماع ذَيْنك الماءين مَعَ بعد كل مِنهُما عَن صاحبه وساقهما من اعماق العُرُوق والأعضاء وجمعهما في مَوضِع واحِد جعل لَهما قرارا مكينا لا يَنالهُ هَواء يُفْسِدهُ ولا برد بِحَمْدِهِ ولا عارض يصل إليه ولا آفَة تتسلط عَلَيْهِ ثمَّ قلب تِلْكَ النُّطْفَة البَيْضاء المشْربَة علقَة حَمْراء تضرب إلى سَواد ثمَّ جعلها مُضْغَة لحم مُخالفَة للعلقة في لَوْنها وحقيقتها وشكلها ثمَّ جعله عظاما مُجَرّدَة لا كسْوَة عَلَيْها مباينة للمضغة في شكلها وهيأتها وقدرها وملمسها ولونها وانْظُر كَيفَ قسم تِلْكَ الأجزاء المتشابهة المتساوية إلى الأعصاب والعِظام والعُرُوق والاوتار واليابس واللين وبَين ذَلِك ثمَّ كَيفَ ربط بَعْضها بِبَعْض أقوى رِباط وأشده وأبعده عَن الانحلال وكَيف كساها لَحْمًا رَكبه عَلَيْها وجعله وعاء لَها وغشاء وحافظا وجعلها حاملة لَهُ مُقِيمَة لَهُ فاللحم قائِم بها وهِي مَحْفُوظَة بِهِ وكَيف صورها فأحسن صورها وشق لَها السّمع والبَصَر والفم والأنف وسائِر المنافذ ومد اليَدَيْنِ والرّجلَيْنِ وبسطهما وقسم رؤسهما بالأصابع ثمَّ قسم الأصابع بالأنامل وركب الأعضاء الباطِنَة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل واحِد مِنها لَهُ قدر يَخُصُّهُ ومَنفَعَة تخصه ثمَّ انْظُر الحِكْمَة البالِغَة في تركيب العِظام قوأما للبدن وعمادا لَهُ وكَيف قدرها ربه وخالقها بتقادير مُخْتَلفَة وأشكال مُخْتَلفَة فَمِنها الصَّغِير والكَبِير والطويل والقصير والمنحنى والمستدير والدقيق والعريض والمصمت والمجوف وكَيف ركب بَعْضها في بعض فَمِنها ما تركيبه تركيب الذّكر في الأنثى ومِنها ما تركيبه تركيب اتِّصال فَقَط وكَيف اخْتلفت أشكالها باخْتلاف مَنافِعها كالأضراس فَإنَّها لما كانَت آلَة للطحن جعلت عريضة ولما كانَت الأسنان آلَة للْقطع جعلت مستدقة محددة ولما كانَ الإنسان مُحْتاجا إلى الحَرَكَة بجملة بدنه وببعض أعضائه للتردد في حاجته لم يَجْعَل عِظامه عظما واحِدًا بل عظاما مُتعَدِّدَة وجعل بَينها مفاصل حَتّى تتيسر بها الحَرَكَة وكانَ قدر كل واحِد مِنها وشكله على حسب الحَرَكَة المَطْلُوبَة مِنهُ وكَيف شدّ اسر تِلْكَ المفاصل والأعضاء وربط بَعْضها بِبَعْض بأوتار ورباطات انبتها من أحد طرفِي العظم والصق أحد طرفِي العظم بالطرف الآخر كالرباط لَهُ ثمَّ جعل في أحد طرفِي العظم زَوائِد خارِجَة عَنهُ وفي الآخر نقرا غائصة فِيهِ مُوافقَة لشكل تِلْكَ الزَّوائِد ليدْخل فِيها وينطبق عَلَيْها فَإذا أرادَ العَبْد أن يُحَرك جُزْء من بدنه لم يمْتَنع عَلَيْهِ ولَوْلا المفاصل لتعذر ذَلِك عَلَيْهِ وتَأمل كَيْفيَّة خلق الراس وكَثْرَة ما فِيهِ من العِظام حَتّى قيل إنَّها خَمْسَة وخَمْسُونَ عظما مُخْتَلفَة الأشكال والمقادير والمَنافِع وكَيف رَكبه سُبْحانَهُ وتَعالى {على البدن وجعله عالِيا علو الرّاكِب على مركوبه ولما كانَ عالِيا على البدن جعل فِيهِ الحَواس الخمس وآلات الإدراك كلها من السّمع والبَصَر والشم والذوق واللمس وجعل حاسة البَصَر في مقدمه ليَكُون كالطليعة والحرس والكاشف للبدن وركب كل عين من سبع طَبَقات لكل طبقَة وصف مَخْصُوص ومِقْدار مَخْصُوص ومَنفَعَة مَخْصُوصَة لَو فقدت طبقَة من تِلْكَ الطَّبَقات السَّبع أوْ زالَت عَن هيئتها وموضعها لتعطلت العين عَن الأبصار ثمَّ اركز سُبْحانَهُ داخل تِلْكَ الطَّبَقات السَّبع خلقا عجيبا وهو إنْسان العين بِقدر العدسة يبصر بِهِ ما بَين المشرق والمغْرب والأرض والسَّماء وجعلهمن العين بِمَنزِلَة القلب من الأعضاء فهوملكها وتلك الطَّبَقات والأجفان والأهداب خدم لَهُ وحجاب وحراس فَتَبارَكَ الله أحسن الخالِقِينَ فانْظُر كَيفَ حسن شكل العَينَيْنِ وهيئتها ومقدارهما ثمَّ جملهما بالأجفان غطاء لَهما وسترا وحفظا وزينة فهما يتلقيان عَن العين الأذى والقذا والغُبار ويكنانهما من البارِد المؤذي والحار المؤذي ثمَّ غرس في أطراف تِلْكَ الأجفان الأهداب جمالا وزينة ولمنافع اخر وراء الجمال والزينة ثمَّ أودعهما ذَلِك النُّور الباصر والضوء الباهر الَّذِي يخرق ما بَين السَّماء والأرض ثمَّ يخرق السَّماء مجاوزا لرؤية ما فَوْقها من الكَواكِب وقد أودع سُبْحانَهُ هَذا السِّرّ العجيب في هَذا المِقْدار الصَّغِير بِحَيْثُ تنطبع فِيهِ صُورَة السَّماوات مَعَ اتساع أكنافها وتباعد أقطارها وشق لَهُ السّمع وخلق الأذن أحسن خلقه وأبلغها في حُصُول المَقْصُود مِنها فَجَعلها مجوفة كالصدفة لِتجمع الصَّوْت فتؤديه إلى الصماخ وليحس بدبيب الحَيَوان فِيها فيبادر إلى اخراجه وجعل فِيها غضونا وتجاويف واعوجاجات تمسك الهَواء والصَّوْت الدّاخِل فتكسر حِدته ثمَّ تُؤَدِّيه إلى الصماخ ومن حِكْمَة ذَلِك أن يطول بِهِ الطَّرِيق على الحَيَوان فَلا يصل إلى الصماخ حَتّى يَسْتَيْقِظ أوْ ينتبه لإمساكه وفِيه أيضا حكم غير ذَلِك ثمَّ اقْتَضَت حِكْمَة الرب الخالِق سُبْحانَهُ أن جعل ماء الأذن مرا في غايَة المرارة فَلا يُجاوِزهُ الحَيَوان ولا يقطعهُ داخِلا إلى باطِن الأذن بل إذا وصل إليه اعْمَلْ الحِيلَة في رُجُوعه وجعل ماء العَينَيْنِ ملحا ليحفظها فَإنَّها شحمة قابِلَة للْفَساد فَكانَت ملوحة مائِها صِيانة لَها وحفظا وجعل ماء الفَم عذبا حلوا ليدرك بِهِ طعوم الأشياء على ما هي عَلَيْهِ إذْ لَو كانَ على غير هَذِه الصّفة لاحالها إلى طَبِيعَته كَما أن من عرض لفمه المرارة اسْتمرّ طعم الأشياء الَّتِي لَيست بِمرَّة كَما قيل ؎وَمن يَك ذا فَم مر مَرِيض ∗∗∗ يجد مرا بِهِ الماء الزلالا وَنصب سُبْحانَهُ قَصَبَة الأنف في الوَجْه فَأحْسن شكله وهيأته ووَضعه وفتح فِيهِ المنخرين وحجز بَينهما بحاجز وأودع فيهما حاسة الشم الَّتِي تدْرك بها أنواع الروائح الطّيبَة والخبيثة والنافعة والضارة وليستنشق بِهِ الهَواء فيوصله إلى القلب فيتروح بِهِ ويتغذي بِهِ ثمَّ لم يَجْعَل في داخله من الاعوجاجات والغضون ما جعل في الأذن لِئَلّا يمسك الرّائِحَة فيضعفها ويقطع مجْراها وجعله سُبْحانَهُ مصبا تنحدر إليه فضلات الدِّماغ فتجتمع فِيهِ ثمَّ تخرج مِنهُ واقتضت حكمته أن جعل اعلاه ادق من أسفله لأن أسفله إذا كانَ واسِعًا اجْتمعت فِيهِ تِلْكَ الفضلات فَخرجت بسهولة ولأنه يَأْخُذ من الهَواء ملأهُ ثمَّ يتصاعد في مجْراه قَلِيلا حَتّى يصل إلى القلب وصُولا لا يضرّهُ ولا يزعجه ثمَّ فصل بَين المنخرين بحاجز بَينهما حِكْمَة مِنهُ ورَحْمَة فَإنَّهُ لما كانَ قَصَبَة ومجرى ساترا لما يتحدر فِيهِ من فضلات الراس ومجرى النَّفس الصاعد مِنهُ جعل في وسطه حاجزا لِئَلّا يفْسد بِما يجرى فِيهِ فَيمْنَع نشقه للنَّفس بل إمّا أن تعتمد الفضلات نازلة من أحد المنفذين في الغالِب فَيبقى الآخر للتنفس وإمّا أن يجرى فيهما فينقسم فَلا ينسد الأنف جملَة بل يبْقى فِيهِ مدْخل للتنفس وأيضا فَإنَّهُ لما كانَ عضوا واحِدًا وحاسة واحِدَة ولم يكن عضوين وحاستين كالأذنين والعينين اللَّتَيْنِ اقْتَضَت الحِكْمَة تعددهما فَإنَّهُ رُبما أصيبت أحداهما اوعرضت لَها آفَة تمنعها من كمالها فَتكون الأخرى سالِمَة فَلا تتعطل مَنفَعَة هَذا الحس جملَة وكانَ وجود أنفين في الوَجْه شَيْئا ظاهرا فنصب فِيهِ انفا واحِدًا وجعل فِيهِ منفذين حجز بَينهما بحاجز يجرى مجْرى تعدد العَينَيْنِ والأذنين في المَنفَعَة وهو واحِد فَتَبارَكَ الله رب العالمين وأحسن الخالِقِينَ وشق سُبْحانَهُ للْعَبد الفَم في أحسن مَوضِع واليقه بِهِ وأودع فِيهِ من المَنافِع وآلات الذَّوْق والكَلام وآلات الطَّحْن والقطع ما يبهر العُقُول عجائبه فأودعه اللِّسان الَّذِي هو أحد آياته الدّالَّة عَلَيْهِ وجعله ترجمانا لملك الأعضاء مُبينًا مُؤديا عَنهُ كَما جعل الأذن رَسُولا مُؤديا مبلغا إليه فَهي رَسُوله وبريده الَّذِي يُؤَدِّي إليه الإخبار واللِّسان بريده ورَسُوله الَّذِي يُؤَدِّي عَنهُ ما يُرِيد واقتضت حكمته سُبْحانَهُ أن جعل هَذا الرَّسُول مصونا مَحْفُوظًا مَسْتُورا غير بارز مَكْشُوف كالأذن والعين والأنف لأن تِلْكَ الأعضاء لما كانَت تُؤدِّي من الخارِج إليه جعلت بارزة ظاهِرَة ولما كانَ اللِّسان مُؤديا مِنهُ إلى الخارِج جعل لَهُ سترا مصونا لعدم الفائِدَة في إبرازه لأنه لا يَأْخُذ من الخارِج إلى القلب وأيْضًا فَلِأنَّهُ لما كانَ أشرف الأعضاء بعدالقلب ومنزلته مِنهُ منزلَة ترجمانه ووزيره ضرب عَلَيْهِ سرادق تستره وتصونه وجعل في ذَلِك السرادق كالقلب في الصَّدْر وأيضا فَإنَّهُ من الطف الأعضاء والينها وأشدها رُطُوبَة وهو لا يتَصَرَّف إلّا بِواسِطَة الرُّطُوبَة المحيطة بِهِ فَلَو كانَ بارزا صارعرضة للحرارة واليبوسة والنشاف المانِع لَهُ من التَّصَرُّف ولغير ذَلِك من الحكم والفوائد ثمَّ زين سُبْحانَهُ الفَم بِما فِيهِ من الأسنان الَّتِي هن جمال لَهُ وزينة وبها قوام العَبْد وغذاؤه وجعل بَعْضها ارحاء للطحن وبَعضها آلَة للْقطع فاحكم أصولها وحدد رؤسها وبيض لَوْنها ورتب صفوفها مُتَساوِيَة الرؤس متناسقة التَّرْتِيب كَأنَّها الدّرّ المنظوم بَياضًا وصفاء وحسنا وأحاط سُبْحانَهُ على ذَلِك حائطين وأودعهما من المَنافِع والحكم ما أودعهما وهما الشفتان فَحسن لونهما وشكلهما ووَضعهما وهيأتهماوجعلهما غطاء للفم وطبقا لَهُ وجعلهما إتماما لمخارج حُرُوف الكَلام ونِهايَة لَهُ كَما جعل اقصى الحلق بداية لَهُ واللِّسان وما جاوره وسطا ولِهَذا كانَ أكثر العَمَل فِيها لَهُ إذْ هو الواسِطَة واقتضت حكمته أن جعل الشفتين لَحْمًا صرفا لا عظم فِيهِ ولا عصب ليتَمَكَّن بهما من مص الشَّراب ويسهل عَلَيْهِ فتحهما وطبقهما وخص الفك الأسفل بِالتَّحْرِيكِ لأن تَحْرِيك الاخف أحسن ولأنه يشْتَمل على الأعضاء الشَّرِيفَة فَلم يخاطر بها في الحَرَكَة وخلق سُبْحانَهُ الحَناجِر مُخْتَلفَة الأشكال في الضّيق والسعَة والخشونة والملاسة والصلابة واللين والطول والقصر فاختلفت بذلك الأصوات أعظم اخْتِلاف ولا يكاد يشْتَبه صوتان إلّا نادرا ولِهَذا كانَ الصَّحِيح قبُول شَهادَة الأعمى لتمييزه بَين الاشخاص بأصواتهم كَما يُمَيّز البَصِير بَينهم بصورهم والاشتباه العارِض بَين الأصوات كالاشتباه العارِض بَين الصُّور وزين سُبْحانَهُ الرَّأْس بالشعر وجعله لباسا لَهُ لاحتياجه إليه وزين الوَجْه بِما أنبت فِيهِ من الشُّعُور المُخْتَلفَة الأشكال والمقادير فزينه بالحاجبين وجعلهما وقاية لما يتحدر من بشرة الراس إلى العَينَيْنِ وقوسهما وأحسن خطهما وزين أجفاف العَينَيْنِ بالأهداب وزين الوَجْه أيضا باللحية وجعلها كمالا ووقارا ومهابة لرجل زين الشفتين بِما أنبت فَوْقهما من الشّارِب وتحتهما من العنفقة وكَذَلِكَ خلقه سُبْحانَهُ لِلْيَدَيْنِ اللَّتَيْنِ هما آلَة العَبْد وسلاحه ورَأس مال معاشه فطولهما يحيث يصلان إلى ما شاءَ من بدنه وعرض الكَفّ ليتَمَكَّن بِهِ من القَبْض والبسط وقسم فِيهِ الأصابع الخمس وقسم كل أصبع بِثَلاث أنامل والإبهام بِاثْنَتَيْنِ ووضع الأصابع الأربعة في جانب والابهام في جانب لتدور الابهام على الجَمِيع فَجاءَت على أحسن وضع صلحت بِهِ للقبض والبسط ومباشرة الأعمال ولَو اجْتمع الأولون والآخرون على أن يستنبطوا بدقيق أفكارهم وضعا آخر للأصابع سوى ما وضعت عَلَيْهِ لم يَجدوا إليه سَبِيلا فَتَبارَكَ من لَو شاءَ لسواها وجعلها طبقًا واحِدًا كالصفيحة فَلم يتَمَكَّن العَبْد بذلك من مصالحة وأنواع تَصَرُّفاته ودقيق الصَّنائِع والخط وغير ذَلِك فَإن بسط أصابعه كانَت طبقًا يضع عَلَيْهِ ما يُرِيد وأن ضمها وقَبضها كانَت دبوسا وآلَة للضرب وأن جعلها بَين الضَّم والبسط كانَت مغرفة لَهُ يتَناوَل بها وتمسك فِيها ما يتَناوَلهُ وركب الأظفار على رؤسها زِينَة لَها وعمادا ووقاية وليلتقط بها الأشياء الدقيقة الَّتِي لا ينالها جسم الأصابع وجعلها سِلاحا لغيره من الحَيَوان والطير وآلَة لمعاشه وليحك الإنسان بها بدنه عند الحاجة فالظفر الَّذِي هو أقل الأشياء وأحقرها لَو عَدمه الإنسان ثمَّ ظَهرت بِهِ حكة لاشتدت حاجته إليه ولم يقم مقامه شَيْء في حك بدنه ثمَّ هدى اليَد إلى مَوضِع الحك حَتّى تمتد إليه ولَو في النّوم والغفلة من غير حاجَة إلى طلب ولَو اسْتَعانَ بِغَيْرِهِ لم يعثر على مَوضِع الحك إلا بعد تَعب ومشقة ثمَّ انْظُر إلى الحِكْمَة البالِغَة في جعل عِظام أسفل البدن غَلِيظَة قَوِيَّة لأنها أساس لَهُ وعِظام أعاليه دونها في الثخانة والصلابة لأنها مَحْمُولَة ثمَّ انْظُر كَيفَ جعل الرَّقَبَة مركبا للرأس وركبها من سبع خَرَزات مجوفات مستديرات ثمَّ طبق بَعْضها على بعض وركب كل خرزة تركيبا محكما متقنا حَتّى صارَت كَأنَّها خرزة واحِدَة ثمَّ ركب الرَّقَبَة على الظّهْر والصدر ثمَّ ركب الظّهْر من أعْلاهُ إلى مُنْتَهى عظم العَجز من أربع وعشْرين خرزة مركبة بَعْضها في بعض هي مجمع اضلاعه والَّتِي تمسكها أن تنْحَل وتنفصل ثمَّ وصل تِلْكَ العِظام بَعْضها بِبَعْض فوصل عِظام الظّهْر بعظام الصَّدْر وعِظام الكَتِفَيْنِ بعظام العضدين والعضدين بالذراعين والذراعين بالكف والأصابع وانْظُر كَيفَ كسا العِظام العريضة كعظام الظّهْر والراس كسْوَة من اللَّحْم تناسبها والعِظام الدقيقة كسْوَة تناسبها كالأصابع والمتوسطة كَذَلِك كعظام الذراعين والعضدين فَهو مركب على ثَلاثمِائَة وسِتِّينَ عظما مِائَتان وثَمانِية وأرْبَعُونَ مفاصل وباقيها صغار حشيت خلال المفاصل فَلَو زادَت عظما واحِدًا لَكانَ مضرَّة على الإنسان يحْتاج إلى قلعة ولَو نقصت عظما واحِدًا كانَ نُقْصانا يحْتاج إلى جبره فالطبيب ينظر في هَذِه العِظام وكَيْفِيَّة تركيبها ليعرف وجه العلاج في جبرها والعارف ينظر فِيها ليستدل بها على عَظمَة باريها وخالقها وحكمته وعلمه ولطفه وكم بَين النظرين ثمَّ أنه سُبْحانَهُ ربط تِلْكَ الأعضاء والأجزاء بالرباطات فَشد بها أسرها وجعلها كالاوتاد تمسكها وتحفظها حَتّى بلغ عَددها إلى خَمْسمِائَة وتِسْعَة وعشْرين رِباطًا وهِي مُخْتَلفَة في الغلظ والدقة والطول والقصر والاستقامة والانحناء بِحَسب اخْتِلاف مواضعها ومحالها فَجعل مِنها أربعة وعشْرين رِباطًا آلَة لتحريك العين وفتحها وضمّها وإبصارها لَو نقضت مِنهُنَّ رِباطًا واحِدًا اخْتَلَّ أمر العين وهَكَذا لكل عُضْو من الأعضاء رباطات هن لَهُ كالآلات الَّتِي بها يَتَحَرَّك ويتصرف ويفْعل كل ذَلِك صنع الرب الحَكِيم وتَقْدِير العَزِيز العَلِيم في قَطْرَة ماء مهين فويل للمكذبين وبعدا للجاحدين ومن عجائب خلقه أنه جعل في الراس ثَلاث خَزائِن نافِذا بَعْضها إلى بعض خزانَة في مقدمه وخزانة في وسطه وخزانة في آخِره وأودع تِلْكَ الخزائن من أسراره ما أودعها من الذّكر والفكر والتعقل ومن عجائب خلقه ما فِيهِ من الأمور الباطِنَة الَّتِي لا تشاهد كالقلب والكبد والطحال والرئة والأمعاء والمثانة وسائِر ما في بَطْنه من الآلات العجيبة والقوى المتعددة المُخْتَلفَة المَنافِع فَأما القلب فَهو الملك المُسْتَعْمل لجَمِيع آلات البدن والمستخدم لَها فَهو محفوف بها محشود مخدوم مُسْتَقر في الوسط وهو أشرف أعضاء البدن وبِه قوام الحَياة وهو منبع الرّوح الحيواني والحرارة الغريزية وهو مَعْدن العقل والعلم والحلم والشجاعة والكَرم والصَّبْر والِاحْتِمال والحب والإرادة والرِّضا والغَضَب وسائِر صِفات الكَمال فَجَمِيع الأعضاء الظّاهِرَة والباطنة وقواها إنما هي جند من اجناد القلب فَإن العين طليعته ورائده الَّذِي يكْشف لَهُ المرئيات فَإن رَأتْ شَيْئا أدته إليه ولشدة الارتباط الَّذِي بَينها وبَينه إذا اسْتَقر فِيهِ شَيْء ظهر فِيها فَهي مرآته المترجمة للنّاظِر ما فِيهِ كَما أن اللِّسان ترجمانه المُؤَدِّي للسمع ما فِيهِ ولِهَذا كثيرا ما يقرن سُبْحانَهُ في كِتابه بَين هَذِه الثَّلاث كَقَوْلِه ﴿إن السّمع والبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كانَ عَنهُ مسؤولا﴾ وقَوله ﴿وَجَعَلنا لَهُم سمعا وأبصارا وأفئدة﴾ وقَوله ﴿صم بكم عمي﴾ وقد تقدم ذَلِك وكَذَلِكَ يقرن بَين القلب والبَصَر كَقَوْلِه ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ وقَوله في حق رَسُوله مُحَمَّد ما كذب الفُؤاد وما رأى ثمَّ قالَ ﴿ما زاغ البَصَر وما طَغى﴾ وَكَذَلِكَ الأذن هي رَسُوله المُؤَدي إليه وكَذَلِكَ اللِّسان ترجمانه وبِالجُمْلَةِ فسائر الأعضاء خدمه وجُنُوده وقالَ النَّبِي إلا أن في الجَسَد مُضْغَة إذا صلحت صلح لَها سائِر الجَسَد وإذا فَسدتْ فسد لَها سائِر الجَسَد إلّا وهِي القلب وقالَ أبو هُرَيْرَة القلب ملك والأعضاء جُنُوده فإن طابَ الملك طابت جُنُوده وإذا خبث الملك خبثت جُنُوده وجعلت الرئة لَهُ كالمروحة تروح عَلَيْهِ دائِما لأنه أشد الأعضاء حرارة بل هو منبع الحَرارَة. وأما الدِّماغ وهو المخ فَإنَّهُ جعل بارِدًا واخْتلف في حِكْمَة ذاك فَقالَت طائِفَة إنَّما كانَ الدِّماغ بارِد التبريد الحَرارَة الَّتِي في القلب ليردها عَن الافراط إلى الِاعْتِدال وردت طائِفَة هَذا وقالَت لَو كانَ كَذَلِك لم يكن الدِّماغ بَعيدا عَن القلب بل كانَ يَنْبَغِي أن يُحِيط بِهِ كالرئة أوْ يكون قَرِيبا مِنهُ في الصَّدْر ليكسر حرارته قالَت الفرْقَة الأولى بعدالدماغ من القلب لا يمْنَع ما ذَكرْناهُ من الحِكْمَة لأنه لَو قرب مِنهُ لغلبته حرارة القلب بقوتها فَجعل البعد بَينهما بِحَيْثُ لا يتفاسدان وتعتدل كَيْفيَّة كل واحِد مِنهُما بكيفية الآخر وهَذا بِخِلاف الرئة فَإنَّها آلَة للترويح على القلب لم تجْعَل لتعديل حرارته وتوسطت فرقة أُخْرى وقالَت بل المخ حار لكنه فاتر الحَرارَة وفِيه تبريد بالخاصية فَإنَّهُ مبدأ للذهن ولِهَذا كانَ الذِّهْن يحْتاج إلى مَوضِع ساكن قار صاف عَن الاقذار والكدر خال من الجلبة والزجل ولذَلِك يكون جودة الفِكر والتذكر واستخراج الصَّواب عند سُكُون البدن وفتور حركاته وقلة شواغله ومزعجاته ولذَلِك لم يصلح لَها القلب وكانَ الدِّماغ معتدلا في ذَلِك صالحا لَهُ ولذَلِك تجود هَذِه الأفعال في اللَّيْل وفي المَواضِع الخالية وتفسد عند التهاب نار الغَضَب والشهوة وعند الهم الشَّديد ومَعَ التَّعَب والحركات القوية البَدَنِيَّة والنفسانية وهَذا بحث مُتَّصِل بقاعدة أخرى وهِي أن الحَواس والعقل هَل مبدؤها القلب والدماغ فَقالَت طائِفَة مبدؤها كلها القلب وهِي مرتبطة بِهِ وبَينه وبَين الحَواس منافذ وطرق قالُوا وكل واحِد من هَذِه الأعضاء الَّتِي هي آلات الحَواس لَهُ اتِّصال بِالقَلْبِ بأعصاب وغير ذَلِك وهَذِه الأعصاب تخرج من القلب إلى أن تَأتي إلى كل واحِد من هَذِه الأجسام الَّتِي فِيها هَذِه الحَواس قالُوا فالعين إذا أبصرت شَيْئا أدته بالالة الَّتِي فِيها إلى القلب لأن هَذِه الالة مُتَّصِلَة مِنها إلى القلب والسمع إذا احس صَوتا اداه إلى القلب وكَذَلِكَ كل حاسة ثمَّ اوردوا على أنفسهم سؤالا فَقالُوا أن قيل كَيفَ يجوز أن يكون عُضْو واحِد على ضروب من الامتزاج يمده عدَّة حواس مُخْتَلفَة وأجسام هَذِه الحَواس مُخْتَلفَة وقُوَّة كل حاسة مُخالفَة لقُوَّة الحاسة الأخرى وأجابوا عَن ذَلِك بِأن جَمِيع العُرُوق الَّتِي في البدن كلها مُتَّصِلَة بِالقَلْبِ إمّا بِنَفسِها وإمّا بِواسِطَة فَما من عرق ولا عُضْو الأوله اتِّصال بِالقَلْبِ اتِّصالًا قَرِيبا أوْ بَعيدا قالُوا وينبعث مِنهُ في تِلْكَ العُرُوق والمجاري إلى كل عُضْو ما بناسبه ويشاكله فينبعث مِنهُ إلى العَينَيْنِ ما يكون مِنهُ حس البَصَر وإلى الأذنين ما يدْرك بِهِ المسموعات وإلى اللَّحْم ما يكون مِنهُ حس اللَّمْس وإلى الأنف ما يكون بِهِ حس الشم وإلى اللِّسان ما يكون بِهِ حس الذَّوْق وإلى كل ذِي قُوَّة ما يمد قوته ويحفظها فَهو المعد لهَذِهِ الأعضاء والحواس والقوى ولِهَذا كانَ الراي الصَّحِيح أنه أول الأعضاء تكوينا قالُوا ولا ريب أن مبدأ القُوَّة العاقِلَة مِنهُ وإن كانَ قد خالف في ذَلِك آخَرُونَ وقالُوا بل العقل في الرَّأْس فالصَّواب أن مبدأه ومنشأه من القلب وفروعه وثمرته في الراس والقُرْآن قد دلّ على هَذا بقوله ﴿أفلم يَسِيرُوا في الأرْض فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بها﴾ وقالَ ﴿إن في ذَلِك لذكرى لمن كانَ لَهُ قلب﴾ وَلم يرد بِالقَلْبِ هُنا مُضْغَة اللَّحْم المُشْتَركَة بَين الحَيَوانات بل المُراد ما فِيهِ من العقل واللب ونازعهم في ذَلِك طائِفَة أخرى وقالُوا مبدأ هَذِه الحَواس إنَّما هو الدِّماغ وانكروا أن يكون بَين القلب والعين والأذن والأنف أعصاب أوْ عروف وقالُوا هَذا كذب على الخلقَة والصَّواب التَّوَسُّط بَين الفَرِيقَيْنِ وهو أن القلب تنبعث مِنهُ قُوَّة إلى هَذِه الحَواس وهِي قُوَّة معنوية لا تحْتاج في وصولها إليه إلى مجار مَخْصُوصَة وأعصاب تكون حاملة لَها فَإن وُصُول القوى إلى هَذِه الحَواس والأعضاء لا يتَوَقَّف الأعلى قبُولها واستعداها وامداد القلب لا على مجار وأعصاب وبِهَذا يَزُول الالتباس في هَذا المقام الَّذِي طال فِيهِ الكَلام وكثر فِيهِ النزاع والخِصام والله أعْلَم وبِه التَّوْفِيق للصَّواب. والمَقْصُود التَّنْبِيه على أقل القَلِيل من وُجُوه الحِكْمَة الَّتِي في خلق الإنسان، والأمر أضعاف أضعاف ما يخْطر بالبال أوْ يجرى فِيهِ المقال وإنَّما فائِدَة ذكر هَذِه الشذرة الَّتِي هي كل شَيْء بِالنِّسْبَةِ إلى ما وراءَها التَّنْبِيه وإذا نظر العَبْد إلى غذائه فَقَط في مدخله ومستقره ومخرجه رأى فِيهِ العبر والعجائب كَيفَ جعلت لَهُ آلَة يتَناوَل بها ثمَّ باب يدْخل مِنهُ ثمَّ آلَة تقطعه صغارًا ثمَّ طاحون يطحنه ثمَّ أعين بِماء يعجنه ثمَّ جعل لَهُ مجْرى وطريقا إلى جانب النَّفس ينزل هَذا ويصعد هَذا فَلا يَلْتَقِيانِ مَعَ غايَة القرب ثمَّ جعل لَهُ حوايا وطرقا توصله إلى المعدة فَهي خزانته ومَوْضِع اجتماعه ولها بابانِ باب أعلى يدْخل مِنهُ الطَّعام وباب أسفل يخرج مِنهُ تفله والباب الأعلى أوسع من الأسفل إذْ الأعلى مدْخل للحاصل والأسفل مصرف للضار مِنهُ والأسفل منطبق دائِما ليستقر الطَّعام في مَوْضِعه فَإذا انْتهى الهضم فَإن ذَلِك الباب ينفتح إلى انْقِضاء الدّفع ويُسمى البواب لذَلِك والأعلى يُسمى فَم المعدة والطَّعام ينزل إلى المعدة متكيمسا فَإذا اسْتَقر فِيها إنماع وذاب ويحيط بالمعدة من داخلها وخارجها حرارة نارية بل رُبما تزيد على حرارة النّار ينضج بها الطَّعام فِيها كَما ينضج الطَّعام في القدر بالنّار المحيطة بِهِ ولذَلِك يذيب ما هو مستحجر كالحصا وغَيره حَتّى يتْركهُ مائِعا فَإذا أذابته علا صَفوه إلى فَوق ورس كدره إلى أسفل ومن المعدة عروق مُتَّصِلَة بِسائِر البدن يبْعَث فِيها مَعْلُوم كل عُضْو وقوامه بِحَسب استعداه وقبوله فيبعث أشرف ما في ذَلِك والطفه واخفه إلى الأرواح فيبعث إلى البَصَر بصرا وإلى السّمع سمعا وإلى الشم شما وإلى كل حاسة بحسبها فَهَذا الطف ما يتَوَلَّد عَن الغذاء ثمَّ ينبعث مِنهُ إلى الدِّماغ ما يُناسِبه في اللطافة والاعتدال ثمَّ ينبعث من الباقِي إلى الأعضاء في تِلْكَ المجاري بحسبها وينبعث مِنهُ إلى العِظام والشعر والأظفار ما يغذيها ويحفظها فَيكون الغذاء داخِلا إلى المعدة من طرق ومجار وخارجا مِنها إلى الأعضاء من طرق ومجار هَذا وارِد إليها وهَذا صادر عَنْها حِكْمَة بالِغَة ونعمة سابغة ولما كانَ الغذاء إذا اسْتَحالَ في المعدة اسْتَحالَ دَمًا ومرَّة سَوْداء ومرَّة صفراء وبلغما اقْتَضَت حكمته سُبْحانَهُ وتَعالى {إن جعل لكل واحِد من هَذِه الأخلاط مصرفا ينصب إليه ويجتمع فِيهِ ولا ينبعث إلى الأعضاء الشَّرِيفَة إلا أكمله فَوضع المرارة مصبا للمرة الصَّفْراء ووضع الطحال مقرا للمرة السَّوْداء والكبد تمتص أشرف ما في ذَلِك وهو الدَّم ثمَّ تبعثه إلى جَمِيع البدن من عرق واحِد يَنْقَسِم على مجار كَثِيرَة يُوصل إلى كل واحِد من الشُّعُور والأعصاب والعِظام والعُرُوق ما يكون بِهِ قوامه ثمَّ إذا نظرت إلى ما فِيهِ من القوى الباطِنَة والظّاهِرَة المُخْتَلفَة في أنفسها ومنافعها رأيت العجب العجاب كقوة سَمعه وبصره وشمه وزوقه ولمسه وحبه وبغضه ورضاهُ وغضبه وغير ذَلِك من القوى المُتَعَلّقَة بالإدراك والإرادة وكَذَلِكَ القوى المتصرفة في غذائه كالقوة المنضجة لَهُ وكالقوة الماسكة لَهُ والدافعة لَهُ إلى الأعضاء والقُوَّة الهاضمة لَهُ بعد أخذ الأعضاء حاجَتها مِنهُ إلى غير ذَلِك من عجائب خلقته الظّاهِرَة والباطنة. * (فصل) فارْجِع الآن إلى النُّطْفَة وتَأمل حالها أولا وما صارَت إليه ثانِيًا، وأنه لَو اجْتمع الإنس والجِنّ على أن يخلقوا لَها سمعا أوْ بصرا أوْ عقلا أوْ قدرَة أوْ علما أوْ روحا بل عظما واحِدًا من اصغر عظامها بل عرقا من ادق عروقها بل شَعْرَة واحِدَة لعجزوا عَن ذَلِك بل ذَلِك كُله آثار صنع الله الَّذِي اتقن كل شَيْء في قَطْرَة من ماء مهين. فَمن هَذا صنعه في قَطْرَة ماء فَكيف صنعه في ملكوت السَّماوات وعلوها وسعتها واستدارتها وعظم خلقها وحسن بنائها وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها ومقاديرها وأشكالها وتفاوت مشارقها ومَغارِبها فَلا ذرة فِيها تنفك عَن حِكْمَة بل هي أحكم خلقا وأتقن صنعا وأجمع العَجائِب من بدن الإنسان بل لا نِسْبَة لجَمِيع ما في الأرض إلى عجائب السَّماوات قالَ الله تَعالى ﴿أأنتم أشد خلقا أم السَّماء بناها رفع سمكها فسواها﴾. وقال في التبيان) ثم نبه سبحانه الإنسان على دليل المعاد بما يشاهده من حال مبدئه على طريقة القرآن في الاستدلال على المعاد بالمبدأ فقال ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أي فلينظر نظر الفكر والاستدلال ليعلم أن الذي ابتدأ أول خلقه من نطفة قادر على إعادته ثم أخبر سبحانه أنه خلقه من ماء دافق والدفق صب الماء يقال دفقت الماء فهو مدفوق ودافق ومندفق، فالمدفوق الذي وقع عليه فعلك كالمكسور والمضروب والمتدفق المطلوع لفعل الفاعل تقول دفقته فاندفق كما تقول كسرته فانكسر والدافق قيل إنه فاعل بمعنى مفعول كقولهم سر كاتم، وعيشة راضية. وقيل هو على النسب لا على الفعل أي ذي دفق أو ذات ولم يرد الجريان على الفعل وقيل: - وهو الصواب - إنه اسم فاعل على بابه ولا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعل الدفق فإن اسم الفاعل هو من قام به الفعل سواء فعله هو أو غيره كما يقال ماء جار ورجل ميت وإن لم يفعل الموت بل لما قام به من الموت نسب إليه على جهة الفعل وهذا غير منكر في لغة أمة من الأمم فضلًا عن أوسع اللغات وأفصحها وأما العيشة الراضية فالوصف بها أحسن من الوصف بالمرضية، فإنها اللائقة بهم فشبه ذلك برضاها بهم كما رضوا بها كأنها رضيت بهم ورضوا بها وهذا أبلغ من مجرد كونها مرضية فقط فتأمله وإذا كانوا يقولون الوقت الحاضر والساعة الراهنة وإن لم يفعلا ذلك فكيف يمتنع أن يقولوا ماء دافق وعيشة راضية ونبه سبحانه بكونه دافقًا على أنه ضعيف غير متماسك ثم ذكر محله الذي يخرج منه وهو بين الصلب والترائب قال ابن عباس صلب الرجل وترائب المرأة وهو موضع القلادة من صدرها والولد يخلق من المائين جميعًا وقيل صلب الرجل وترائبه وهي صدره فيخرج من صلبه وصدره وهذه الآية الدالة على قدرة الخالق سبحانه نظير إخراجه اللبن الخالص من بين الفرث والدم ثم ذكر الأمر المستدل عليه والمعاد بقوله ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ أي على رجعه إليه يوم القيامة كما هو قادر على خلقه من ماء هذا شأنه هذا هو الصحيح في معنى الآية وفيها قولان ضعيفان أحدهما قول مجاهد على رد الماء في الاحليل لقادر والثاني قول عكرمة والضحاك على رد الماء في الصلب وفيه قول ثالث قال مقاتل إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبا إلى النطفة والقول الصواب هو الأول لوجوه أحدهما أنه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد. الثاني أن ذلك أدل على المطلوب من القدرة على رد الماء في الإحليل. الثالث أنه لم يأت لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع واحد، ولا أنكره أحد حتى يقيم سبحانه الدليل عليه. الرابع أنه قيد الفعل بالظرف وهو قوله ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ وهو يوم القيامة أي إن الله قادر على رجعه إليه حيًا في ذلك اليوم. الخامس أن الضمير في (رجعه) هو الضمير في قوله ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ وهذا للإنسان قطعا لا للماء. السادس أنه لا ذكر للإحليل حتى يتعين كون المرجع إليه فلو قال قائل على رجعه إلى الفرج الذي صب فيه لم يكن فرق بينه وبين هذا القول ولم يكن أولى منه. السابع أن رد الماء إلى الإحليل أو الصلب بعد خروجه منه غير معروف ولا هو أمر معتاد جرت به القدرة وإن كان مقدورًا للرب تعالى ولكن هو لم يجره ولم تجر به العادة ولا هو مما تكلم الناس فيه نفيًا أو إثباتًا ومثل هذا لا يقرره الرب ولا يستدل عليه وينبه على منكريه وهو سبحانه إنما يستدل على أمر واقع ولا بد إما قد وقع ووجد أو سيقع. فإن قيل فقد قال تعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ أي نجعله كخف البعير قيل هذه أيضا فيها قولان أحدهما هذا والثاني وهو الأرجح أن تسوية بنانه إعادتها كما كانت بعد ما فرقها البلى في التراب. الثامن أنه سبحانه دعا الإنسان إلى النظر فيما خلق منه ليرده? عن تكذيبه بما أخبر به وهو لم يخبره بقدرة خالقه على رد الماء في إحليله? بعد مفارقته له حتى يدعوه إلى النظر فيما خلق منه ليستقبح منه صحة إمكان رد الماء. التاسع أنه لا ارتباط بين النظر في مبدأ خلقه ورد الماء في الإحليل بعد خروجه ولا تلازم بينهما حتى يجعل أحدهما دليلًا على إمكان الآخر بخلاف الارتباط الذي بين المبدأ والمعاد والخلق الأول والخلق الثاني والنشأة الأولى والنشأة الثانية فإنه ارتباط من وجوه عديدة ويلزم من إمكان أحدهما إمكان الآخر ومن وقوعه صحة وقوع الآخر فحسن الاستدلال بأحدهما على الآخر العاشر أنه سبحانه نبه بقوله ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ على أنه قد وكل عليه من يحفظ عليه عمله ويحصيه فلا يضيع منه شيء ثم نبه بقوله ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ على بعثه لجزائه على العمل الذي حفظ وأحصى عليه فذكر شأن مبدأ عمله ونهايته فمبدؤه محفوظ عليه ونهايته الجزاء عليه ونبه على هذا بقوله ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.