الباحث القرآني

يُخْبِرُ تَعَالَى بِغَنَائِهِ عَمَّا سِوَاهُ، وَبِافْتِقَارِ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا إِلَيْهِ، وَتَذَلُّلِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ: هُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْهُمْ بِالذَّاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُنْفَرِدُ [[في ت، س: "المتفرد".]] بِالْغِنَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ الْحَمِيدُ فِي جَمِيعِ مَا يَفْعَلُهُ وَيَقُولُهُ، وَيُقَدِّرُهُ وَيُشَرِّعُهُ. * * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أَيْ: لَوْ شَاءَ لَأَذْهَبَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَأَتَى بِقَوْمٍ غَيْرِكُمْ، وَمَا هَذَا عَلَيْهِ بِصَعْبٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ . * * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ أَيْ: وَإِنْ تَدْعُ نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ بِأَوْزَارِهَا إِلَى أَنْ تُسَاعَد عَلَى حَمْلِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْأَوْزَارِ أَوْ بَعْضِهِ، ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ، أَيْ: وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا إِلَيْهَا، حَتَّى وَلَوْ كَانَ أَبَاهَا أَوِ ابْنَهَا، كُلٌّ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ وَحَالِهِ، [كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ] [عَبَسَ: ٣٤-٣٧] . [[زيادة من ت.]] قَالَ [[في ت: "كما قال".]] عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ الْآيَةَ، قَالَ: هُوَ الجار يتعلق بجاره يوم الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا: لِمَ كَانَ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونِي. وَإِنَّ الْكَافِرَ لَيَتَعَلَّقُ بِالْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا مُؤْمِنُ، إِنَّ لِي عِنْدَكَ يَدًا، قَدْ عَرَفْتَ كَيْفَ كُنْتُ لَكَ فِي الدُّنْيَا؟ وَقَدِ احْتَجْتُ إِلَيْكَ الْيَوْمَ، فَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى [مَنْزِلٍ دُونَ] [[زيادة من ت، أ.]] مَنْزِلِهِ [[في ت: "في منزلة دون منزلته".]] ، وَهُوَ فِي النَّارِ. وَإِنَّ الْوَالِدَ لَيَتَعَلَّقُ بِوَلَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ وَالِدٍ كنتُ لَكَ؟ فَيُثْنِي خَيْرًا، فَيَقُولُ لَهُ: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدِ احْتَجْتُ إِلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَاتِكَ أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَى. فَيَقُولُ لَهُ وَلَدُهُ: يَا أَبَتِ، مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ، وَلَكِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ مَا تَتَخَوَّفُ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا، ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِزَوْجَتِهِ فَيَقُولُ: يَا فُلَانَةُ -أَوْ: يَا هَذِهِ-أَيُّ زَوْجٍ كُنْتُ لَكِ؟ فَتُثْنِي خَيْرًا، فَيَقُولُ لَهَا: إِنِّي أَطْلُبُ إِلَيْكِ حَسَنَةً وَاحِدَةً تَهَبِينَها لِي، لَعَلِّي أَنْجُو بِهَا مِمَّا تَرَيْنَ. قَالَ: فَتَقُولُ: مَا أَيْسَرَ مَا طَلَبْتَ. وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا، إِنِّي أَتَخَوَّفُ مِثْلَ الَّذِي تَتَخَوَّفُ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ [[زيادة من ت، س، أ.]] الْآيَةَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لُقْمَانَ: ٣٣] ، وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الطَّهْرَانِيِّ [[في أ: "الطبراني".]] ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمة، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [[في س: "ينذر".]] أَيْ: إِنَّمَا يَتَّعِظُ بِمَا جِئْتَ بِهِ أُولُو الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى، الْخَائِفُونَ مِنْ رَبِّهِمْ، الْفَاعِلُونَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ أَيْ: ومَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى نَفْسِهِ، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أَيْ: وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وَسَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شرًّا فشر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب