الباحث القرآني

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات ١٦٤]، هذا الكلام بَيَّن المؤلف رحمه الله أنه من كلام جبريل عليه الصلاة والسلام، قال المؤلف: (قال جبريل للنبي ﷺ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ ) لما ذكر أن هؤلاء المجرمين الظالمين قالوا: إن الملائكة بنات الله بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى على لسان الملائكة ما حال الملائكة، وما مقامهم، وما عملهم تجاه الله سبحانه وتعالى، فقال: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ قال المؤلف: (﴿وَمَا مِنَّا﴾ معشر الملائكة) معشر يعني جماعة (أحد ﴿إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ ) (أحد) قدَّرها المؤلف لدلالة السياق عليها، وهي مبتدأ خبره ﴿مِنَّا﴾ السابق جار ومجرور. وقوله: (﴿إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات ١٦٤] فِي السَّمَاوَات) ﴿إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ هذا الاستثناء مستثنى من (أحد) وهي جملة يمكن أن نجعلها دالة على الحال، حال هؤلاء الملائكة. وقوله: ﴿إِلَّا لَهُ مَقَامٌ﴾ أي: موضع قيام؛ لأن ﴿مَقَامٌ﴾ (مَفْعَل) يصح أن يكون اسم زمان واسم مكان، فهنا الظاهر أنه اسم مكان؛ يعني إلا مكان قيام يقوم فيه يتعبد فيه لله، ويجوز أن نجعله اسم زمان أيضًا؛ أي وقتًا يقوم فيه لله ومكانًا يقوم فيه لله، فتكون عبادة الملائكة موقتة بزمن، ومقيدة بمكان، ولا منافاة بين القولين، والقاعدة في التفسير؛ أنه إذا كانت الآية صالحة لمعنيين لا يُنافي أحدُهما الآخر حُملت عليهما جميعًا؛ ولأن حملها عليهما جميعًا أوسع في المعنى من تخصيصها بأحدهما، فإن كان أحدهما ينافي الآخر طُلِب الترجيح، فما رجَّحَه المرجِّح أُخِذ به، وتُرِك الآخر. يقول هنا ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: مكان وزمان أيضًا يتعبد لله تعالى فيه لا يتعبد لله في غيره، لا في زمن ولا في مكان. (﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات ١٦٥] أقدامنا في الصلاة) ﴿وَإِنَّا﴾ الضمير يعود على من؟ على الملائكة ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ يعني الذين يصفون عند الله سبحانه وتعالى، كما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟». قالوا: يا رسول الله، وكيف ذلك؟ قال: «يُتِمُّونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ وَيَتَراصُّونَ»[[أخرجه مسلم (٤٣٠ / ١١٩) من حديث جابر بن سمرة.]]. فهذا شأن الملائكة عند الله في مقام تعبدهم، يصفون لله تعظيمًا له، يكملون الأول فالأول، فأقدمهم وأسبقهم أقربهم من الله عز وجل، وهكذا صفوف الصلاة، كل مَنْ كان أقدم وأقرب إلى الإمام فهو أفضل. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات ١٦٥] قال المؤلف: (أقدامنا في الصلاة)، وكلمة أقدامنا في الصلاة تحتاج إلى دليل، لأن ظاهر الوصف ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ أنه يعود على الملك نفسه لا على القدم، ثم إنا إذا قلنا: أقدامنا نحتاج إلى إثبات أن للملائكة أقدامًا، والله سبحانه وتعالى قد وصف الملائكة أنهم أولو أجنحة؛ فيحتاج هذا إلى دليل. قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ فيها مؤكدان، المؤكد الأول؟ * طالب: (إن). * الشيخ: والثاني؟ * الطالب: والثاني (اللام). * الشيخ: (اللام) في قوله: ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾. فيها مؤكدان، المؤكد الأول؟ * طالب: (...) (إن). * الشيخ: والثاني؟ * الطالب: الثاني اللامُ. * الشيخ: اللامُ في قوله: ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات ١٦٥]. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات ١٦٦]، الجملة مؤكدة بمثل ما أُكِّدت الأولى؛ يعني: وإننا معشر الملائكة لنحن المسبحون، قال المؤلف: (المنزهون الله عمَّا لا يليق به)؛ لأن التسبيح بمعنى التنزيه، وتنزيه الله معناه: تنزيهه عما لا يليق به، ومداره على أمرين؛ أحدهما: أن ينزه عن مماثلة المخلوقين، ودليله قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]. والثاني: أن ينزَّه عن نقص في كماله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، فلما ذكر خلقه لهذه السموات العظيمة والأرض في هذه المدة الوجيزة بيَّن أنه لم يلحقه في ذلك تعب ولا إعياء، وهذا تنزيه لله عن النقص في كماله، فصار التنزيه يدور على أيش؟ * طالب: على صفتين. * الشيخ: على صفتين؟ لا. * الطالب: على أمرين؛ الأول: مماثلة الله للمخلوقين. * الشيخ: ودليله؟ * الطالب: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. والثاني: تنزيه الله عن النقص في كماله. * الشيخ: ومنه، هات مثالًا؟ * الطالب: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات ١٥٩]. * الشيخ: لا. * طالب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ﴾.. * الشيخ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]. طيب قال ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾، قوله: ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ ﴿لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ الجملتان -كما تعرفون- اسميتان، قال أهل العلم: والجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستمرار؛ يعني: أن هذا دأبهم، ويدل لذلك قوله تعالى في وصفهم: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، فالملائكة دائمًا في عبادة دائمة، ليسوا كالبشر عندهم غفلة ولهو وسهو بل هم دائمًا في عبادة الله، فهنا ثلاثة أقسام من الخلق: شياطين فهؤلاء دائمًا في معصية، وملائكة هؤلاء دائمًا في طاعة، وبشر هؤلاء أحيانًا في طاعة، وأحيانًا في معصية، وأحيانًا في غفلة. قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات ١٦٧، ١٦٨] إلى آخره، ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ (إنْ) هنا شرطية؟ لا؛ لأنه ليس فيها شرط وجزاء. نافية؟ لا؛ لأن اللام في قوله: ﴿لَيَقُولُونَ﴾ تمنع أن تكون نافية؛ لأن اللام للتوكيد، والنفي ضد التوكيد. زائدة؟ لا؛ لأن لها معنى، والزائد هو الذي لو حُذِفَ لم يختلَّ المعنى بحذفه، إذن فما هي؟ نقول: مخففةٌ من الثقيلة، فأصلها: وإنهم كانوا، أصلها هكذا، لكن خففت فقيل: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾، وبهذه المناسبة نود أن نستعرض معاني (إنْ)، فتأتي (إنْ) نافية، ومنه؟ * طالب: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ [الجن ٢٥]. * الشيخ: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾؛ أي: ما أدري أقريب ما توعدون. وتأتي شرطية مثالها؟ * طالب: من الآيات؟ * الشيخ: من الآيات، أحسن من الآيات إن كان عندك. * الطالب: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات ١٥٧]. * الشيخ: أيش؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، (...) تأتي بـ(إنْ) شرطية فيها شرط وجزاء. * الطالب: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة ٢٤]. * الشيخ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة ٢٣]. وتأتي زائدة؟ * طالب: ؎بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ * الشيخ: صحيح ؎بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ.................. يعني: فضة. ولكن أنتم الخزف: طين. الشاهد قوله: (ما إن أنتم) لو حُذِفَت (إن) وقال: (ما أنتم ذهبًا) استقام الكلام. وتأتي مخففة كما في هذه الآية، مخففة من الثقيلة أصلها (إنَّ)، المخففة من الثقيلة يقولون: إن اسمها يكون محذوفًا، ويسمَّى ضمير الشأن، وضمير الشأن قالوا: إنه يكون مفردًا مذكَّرًا؛ لأن كلمة (شأن) مفرد مذكر، والتقدير: ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ وإنه -أي الشأن- أي شأنهم ﴿لَيَقُولُونَ﴾، وقيل: (إن) ضمير الشأن يُقَدَّر بحسب السياق؛ إن كان مفردًا مذكرًا فهو مفرد مذكر، إن كان جمعًا فهو جمع، وبناء على هذا يكون تقدير الآية هنا: وإنهم كانوا ليقولون. قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ (كانوا) فعل ناقص واسمه، الواو هي الاسم، اللام في قوله: ﴿لَيَقُولُونَ﴾ لام التوكيد، وجملة (يقولون) خبر أيش؟ خبر كان، وكان واسمها وخبرها خبر (إنْ) المخففة من الثقيلة، (﴿وَإِنْ﴾ مُخَفَّفَة من الثَّقِيلَة، ﴿كَانُوا﴾ أي: كُفَّار مكة ﴿لَيَقُولُونَ﴾ ) ماذا؟ ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِين﴾ [الصافات ١٦٨، ١٦٩]؛ يعني: لو نزل علينا كتابٌ ككتب الأولين لكُنا عباد الله المنقادين لشرعه المخلصين له، ولكن هذه الحجة مردودة بقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام ١٥٥ - ١٥٧]. إذن هذه الدعوى منهم مكابرة. لماذا كانت مكابرة؟ لأنه أُنْزِل عليهم كتابٌ أهدى الكتب وأقوم الكتب ومع ذلك كفروا به. ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا﴾ (كتابًا، ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: من كتب الأمم الماضية، ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ العبادة له). شوف ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا﴾ أي: ما يذكِّرنا، والذي يذكر هو الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء ٥٠]، فالمراد بالذِّكر هنا ما يتذكَّر به الإنسان وهو الكتاب. طيب وقوله: ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ قال المؤلف: (من كتب الأولين)، فيكون على تقدير المضاف ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: من كتبهم، وليس منهم أنفسهم بل من الكتب التي نزلت إليهم، لو أن عندنا من هذا شيئًا لكنا عباد الله المخلصين، ﴿لَكُنَّا﴾ اللام واقعة في جواب (لو)، و(لو) هنا شرطية أو مصدرية؟ شرطية، طيب ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا﴾ يقولون: إن الشرطية لا يليها إلا فعل، وهنا وليها (أنَّ) ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا﴾، حتى الشرطية الجازمة لا يليها إلا الفعل وهنا وليتها (أنَّ)، قالوا: نعم، لكنها على تقدير فعل؛ يعني: لو ثبت ﴿أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا﴾ ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ [الحجرات ٥]؛ يعني: لو ثبت، ﴿أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات ٥]. ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ عباد الله العبودية الشرعية أو القدرية؟ الشرعية؛ لأنهم بالعبودية القدرية كائنون هم عبيد لله قدرًا، ولا يمكن أن يحيدوا عن قضاء الله وقدره، لكن ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ شرعًا، قال: (المخْلِصِينَ له العبادةَ) المخلِصين بكسر اللام، هكذا فسَّرها المؤلف، ولهذا قال: (العبادة له) المخلَصين بالفتح: الذين أخلصهم الله تعالى واصطفاهم، فصار في (المخلصين) قراءتان: فتح اللام وكسرها؛ فعلى قراءة الفتح يكون المعنى أيش؟ الذين أخلصهم الله تعالى لنفسه واصطفاهم، وعلى قراءة الكسر يكون معناه الذين أخلصوا له العبادة، والمعنيان متلازمان؛ لأن كل من أخلص لله العبادة فقد أخلصه الله لنفسه، ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال الله تعالى: (﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾؛ أي: بالكتاب الذي جاءهم، وهو القرآن الأشرف من تلك الكتب، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم) تقدير الآية: فقد جاءهم كتاب قالوا: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾، فجاءهم الكتاب، جاءهم الذكر ولكن لم يقبلوا هذا الذكر؛ كفروا به تكذيبًا في الخبر، واستكبارًا عن الأمر، فهم كذَّبوا الرسول عليه الصلاة والسلام؛ قال: إنكم ستبعثون، فقالوا: لا بعث، قال: إنه حق، فقالوا: كاذب، قال: اعبدوا الله وحده لا شريك له، فعبدوا الأصنام، فكفروا بهذا الكتاب تكذيبًا في الخبر، واستكبارًا في الأمر، فهم ما صدَّقوا بما أخبر الله به في كتابه، ولا امتثلوا الأمر وانقادوا له، بل جمعوا بين كفر الجحود والاستكبار والعياذ بالله، كفروا به مع أن القرآن أشرف من الكتب التي ادعوا أنه لو أتاهم من جنسها لكانوا عباد الله المخلصين، ومع هذا كفروا بهذا الكتاب، وهذا يدل على أن دعواهم هذه من أكذب الدعاوى، ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ قيل لهم: هذا ذكر، جاءكم ذكر أشرف الأذكار وأعظم الكتب السابقة، ومع ذلك أيش؟ كفرتم به. قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ الفاء في قوله: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ للترتيب، و﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ للترتيب والسببية؛ أي: فبسبب كفرهم سوف يعلمون. ماذا يعلمون؟ سوف يعلمون عاقبة أمرهم؛ وذلك بالذل في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وهذا الأمر حصل ولله الحمد؛ فإن الله أذلهم في أعظم موقعة كانوا يفتخرون بها، ويظنون فيها العزة والنصر في غزوة بدر، فإنهم خرجوا بصناديدهم وأشرافهم وكبرائهم حتى قال أبو جهل لما أشير عليه بالرجوع، قال: «والله لا نرجع حتى نقدم بدرًا، ننحر فيها الجزور، ونشرب فيها الخمور، وتُعْزَف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا»[[البيهقي في دلائل النبوة (٩٤٨) من حديث عروة بن الزبير.]]. شوف البطر، كِبْرٌ! ومضى، وماذا حصل؟ حصل أن قُتِلَ -ولله الحمد- هو والزعماء والأشراف الذين معه، وسمعت بهم العرب، وتحدثت العرب ولكن بماذا؟ بما يكون به الهيبة لهم أو بما يكون به العار والخزي؟ نعم هو الثاني، تحدثت العرب -ولله الحمد- بأخبارهم بما فيه العار والخزي إلى يوم القيامة، هذه من العواقب الوخيمة. وفي بلدهم مكة خرج النبي ﷺ منها خائفًا مستترًا، ودخلها ظافرًا منصورًا مؤزَّرًا، رُفِعَت الراية عند مدخل مكة عند الْحَجونِ، ودخل البيت وكسَّر الأصنام، ووقف على الباب وقريشٌ تحته ينتظرون ماذا يفعل، قال: «مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟» قالوا: خيرًا، أخ كريمٌ وابنُ أخٍ كريم »[[أخرجه الطبري في التاريخ (٣/٦١). ]]، فعفا عنهم عليه الصلاة والسلام، وسموا الطلقاء، الطلقاء من أيش؟ من القتل والأسر. فانظر كيف كانت هذه العاقبة، هذا النبي ﷺ حماه الله منهم؛ تآمروا أن يقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه ولكن صارت المؤامرة عليهم، هم الذين مَنَّ عليهم الرسول ﷺ فأطلقهم، على أن ما في الآخرة أشد وأعظم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور ٤٧]، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة ٢١]، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ [الرعد ٣٤]، والعياذ بالله. والغرض من هذه الجملة -أي من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ - الغرض منها التهديد؛ تهديد هؤلاء المكذبين للرسول ﷺ. * طالب: قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠] للملائكة لا يعين أن المراد بقوله: ﴿مَقَامٌ﴾ المكان؟ * الشيخ: المكان؟ لا، حتى الزمان. * الطالب: كل الليل والنهار في عبادة؟ * الشيخ: إي، لكن الليل والنهار في جملته، ثم نقول: أيضًا قد يكون التسبيح العام غير التسبيح الخاص، التسبيح الخاص اللي في مقام معين ولَّا لا؟ هم لا زالوا (...) حتى المكان لا زالوا فيه، لكن هذا المقام المعين له تسبيح معين. * الطالب: ذكرنا ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات ١٦٥]، بالنسبة للملائكة يصطفون عند الله جل وعلا في القرب.. * الشيخ: سواء كانوا القريب قريبًا والبعيد بعيدًا. * الطالب: والقِدم من ناحية الخلقة؟ * الشيخ: القَدم ما هي بالقِدم، القدم الرجل؛ يعني المؤلف يقول: (صافون أقدامنا؛ يعني أرجلنا). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٧١ - ١٨٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات ١٦٤] مبتدأ المناقشة قوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾، أين المبتدأ؟ * طالب: معلوم. * الشيخ: ويش التقدير؟ * الطالب: التقدير: وما منا أحد. * الشيخ: وما منا أحد إلا له مقام معلوم، أحسنت، (وإلا له مقام معلوم) الجملة هذه محلها؟ * الطالب: خبر المبتدأ. * الشيخ: كيف خبر المبتدأ؟ ما هو قلت: المبتدأ (أحد) وخبره (منا)، طيب (إلا له مقام معلوم)؟ * الطالب: استثناء من (أحد). * الشيخ: استثناء من (أحد)، إذن محلها الرفع ولَّا بدل من (أحد) ومحلها الرفع. * الطالب: هنا منا أحد هنا، الآن قلنا.. * الشيخ: الكلام الذي قبل إلى الآن تام ولَّا ناقص؟ * الطالب: لا، الآن تام. * الشيخ: تام، موجب ولَّا منفي؟ * الطالب: منفي. * الشيخ: إذا كان ما قبل (إلا) تامًّا منفيًا فما الحكم فيما بعدها؟ * الطالب: ما بعد يكون إما أن يُعْرَب على حسب موقعه، وإما إنه يعرب بدلًا. * الشيخ: بدل طيب، أو؟ * الطالب: أو حسب موقعه. * الشيخ: حتى لو بدل حسب موقعه؟ * الطالب: مستثنى. * الشيخ: أو منصوب على الاستثناء. * الطالب: منصوب على الاستثناء نعم. * الشيخ: إذن تجوز أن تكون ﴿لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ في محل نصب على الاستثناء، أو؟ * الطالب: بدل من ﴿أَحَدٌ﴾. * الشيخ: في محل رفع بدل من ﴿أَحَدٌ﴾. طيب المقام هنا هل هو في المكان أو في المكان والزمان؟ * الطالب: المقام هنا يشمل المقام للزمان والمكان. * الشيخ: يشمل؟ * الطالب: لأن الجملة تحتملهما، وإذا احتملتهما فإن القاعدة فإن.. * الشيخ: لأن المقام صالح للزمان والمكان فيكون شاملًا لهما. قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات ١٦٥] ما معنى قوله ﴿الصَّافُّونَ﴾؟ * طالب: تنشر الصفوف يقول المؤلف: (مصطفون؛ يعني متراصين في الأقدام). * الشيخ: متساوين في الأقدام. * الطالب: (...) الأول فالأول. * الشيخ: الصافون بأيش؟ في العبادة ولَّا في أي شيء؟ * الطالب: في العبادة. * الشيخ: في العبادة طيب، كيف صفوفهم الأخ؟ * طالب: صفوف الملائكة، تصل الأول فالأول (...) عز وجل. * الشيخ: يتمونها الأول فالأول ويتراصون، هكذا فسَّرها النبي ﷺ. طيب المسبِّحون معناها؟ * الطالب: المنزهون الله عز وجل عن كل نقص. * الشيخ: عن كل نقص أو عما لا يليق به؟ * الطالب: عما لا يليق به. * الشيخ: عما لا يليق به تنزيه الله، طيب نحن ذكرنا ما ينزه الله عنه كم؟ * الطالب: أمران: عن المماثلة؛ مماثلة المخلوقين وعن النقص. * الشيخ: في؟ * الطالب: في كماله. * الشيخ: عن النقص في كماله. مثال الأول؟ * طالب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [ق ٣٨]. * الشيخ: التنزيه عن مماثلة المخلوقين. * الطالب: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]. * الشيخ: ومثال التنزيه عن نقص كماله؟ * الطالب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]. * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات ١٦٧]، الجملة هنا منفية أو مثبتة؟ * طالب: منفية. * الشيخ: فـ(إنْ) هنا نافية. * الطالب: لا، مثبتة. * الشيخ: (إنْ) هنا ويش تكون إذا كانت مثبتة؟ * طالب: التوكيد. * الشيخ: توكيد، ماذا يسميه النحاة؟ * طالب: مخففة من الثقيلة. * الشيخ: مخففة من الثقيلة، أحسنت، طيب أين اسمها ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات ١٦٧]؟ * طالب: الملائكة. * الشيخ: لا، الملائكة ما هم بيقولون. * طالب: ضمير الشأن. * الشيخ: اسمها محذوف ولَّا موجود؟ * الطالب: محذوف. * الشيخ: محذوف، ضمير الشأن ويش تقديره؟ * الطالب: إنهم كانوا. * الشيخ: (إنهم) ما فيه تقدير آخر؟ * الطالب: إنه كان. * الشيخ: إنه أي: الشأن؛ يعني أن شأنهم أنهم يقولون كذا وكذا، والقول الثاني أن ضمير الشأن يُقَدَّر بحسب السياق، طيب أين مقول القول؟ * الطالب: ﴿لَيَقُولُونَ﴾. * الشيخ: لا، (يقولون) هذا القول، لكن أين مقول القول؟ * الطالب: محذوف. * الشيخ: اقرأ الآية. * طالب: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا﴾. * الشيخ: مقول القول قوله: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، طيب هل قولهم هذا صحيح بحسب الواقع؟ * الطالب: لا، ليس بصحيح. * الشيخ: ليس بصحيح؛ لأنهم جاءهم الذكر ولكن كفروا. جملة ﴿لَيَقُولُونَ﴾ ويش محلها من الإعراب؟ * طالب: اسم (كان). * الشيخ: اسم كان! هو اسم كان يكون جملة؟! اقرأ الآية. * الطالب: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾. * الشيخ: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾. * الطالب: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾. * الشيخ: ماذا تقول الآن؟ الواو في ﴿كَانُوا﴾ ما هي اسم (كان)؟ * الطالب: اسم (كان) وهذه خبرها. * الشيخ: إذن. * الطالب: ﴿لَيَقُولُونَ﴾ خبر (كان). * الشيخ: محلها النصب على أنها خبر (كان). طيب ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا﴾ ويش تقدير الكلام؟ * طالب: مفعول به مقول القول. * الشيخ: الجملة، لا، نريد تقدير الكلام؟ * الطالب: لو كان عندنا ذكرًا. * الشيخ: لا، ما يصلح. * طالب: تقديره: لو كان عندنا كتاب من الأولين. * الشيخ: لا. * طالب: لو أن عندنا ذكرًا منه من كتب الأولين. * طالب آخر: لو ثبت أن عندنا ذكرًا. * الشيخ: هذا التقدير: لو ثبت أن عندنا ذكرًا من الأولين، وإنما قدَّرنا ذلك؛ لأن (لو) الشرطية لا تدخل إلا على الفعل. طيب قوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ فيها قراءتان. * طالب: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ و﴿الْمُخْلِصِينَ﴾ . * الشيخ: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ و﴿الْمُخْلِصِينَ﴾ ، ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ اسم فاعل ولَّا مفعول؟ * الطالب: اسم مفعول. * الشيخ: المخلِصين؟ * الطالب: لا، اسم فاعل. * الشيخ: إذا قلت: مخلِص هل هو فاعل ولَّا مفعول؟ فلان مخلِص. * الطالب: اسم فاعل. * الشيخ: طيب فلان مخلَص؟ * الطالب: مفعول. * الشيخ: مفعول، إذن (المخلِصين) اسم فاعل و(المخلَصين) اسم مفعول. على قراءة (مخلَصين) أيش معناها؟ * الطالب: هم الذين أخلصهم الله سبحانه وتعالى لنفسه. * الشيخ: أخلصهم الله لنفسه، فاصطفاهم على الخلق بما أنعم الله عليهم من العبادة. والمخلَصين؟ * الطالب: والمخلَصين هم الذين أخلصهم الله سبحانه وتعالى للعبادة. * الشيخ: ما المراد من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؟ * طالب: فسوف يعلمون بمن جحد. * الشيخ: لكن ما المراد بها؟ المراد بهذه الجملة؟ * الطالب: الفاء تفريعية سببية؛ بسبب كفرهم فسوف؛ يعني تعليمهم. * الشيخ: لا. * الطالب: سببية. * الشيخ: لا. * طالب: تهديد. * الشيخ: المقصود التهديد، أنت تهدد صبيَّك تقول: سوف تدري ويش بأسوي بك، سوف تدري ماذا أفعل بك، أليس كذلك؟ تهدده. نأخذ الفوائد من قوله؟ * طالب: ﴿وَمَا مِنَّا﴾. * الشيخ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الملائكة منزَّهون عمَّا يدعيه هؤلاء من كونهم بنات الله. وجه ذلك أنهم مكلَّفون بالعبادة على حدٍّ معلوم، ومن كان مكلَّفًا بالعبادة لا يمكن أن يكون ولدًا للمعبود. * ومن فوائد الآية: كمال انتظام الملائكة عليهم الصلاة والسلام بكونهم يلتزمون بالمقامات المعلومة التي عيَّنها الله لهم ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون وقته مُنَظَّمًا يجعل لكل شيء عملًا معلومًا حتى لا يضيع عليه الوقت؛ لأن الإنسان الذي يعمل بالوقت جزافًا لا ينتفع به، ولكن لا يعني قولنا هذا أن الإنسان يستمر على حال واحدة؛ لأنه قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل، بمعنى أنك لو رتبت نفسك ثم طرأ ما يوجب مخالفة هذا النظام فلا حرج عليك أن تخرم هذا النظام؛ لأن الرسول ﷺ كان يصوم حتى يقال: لا يفطر، وكان يقوم حتى يقال: لا ينام، أو بالعكس، حسب ما تقتضيه المصلحة. * ومن فوائد الآيات الكريمة عمومًا: أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام من أكمل الناس عبادة؛ حيث يجتمعون على عبادة الله فيصفون له تعظيمًا له؛ لقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي تأكيد الخطاب إذا كان المخاطب مُنْكِرًا أو متردِّدًا، أو كان المعنى ذا أهمية يحتاج إلى التوكيد؛ لقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، من أجل تقرير هؤلاء المنكرين الذين يدَّعون أن الملائكة بنات الله، فيقولون: نحن نصف لله تعبُّدًا له وتعظيمًا. * ومن فوائد الآيات الكريمة: كمال تنزيه الملائكة لله في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾. * ومن فوائدها: أن دأبهم أيضًا التسبيح، كما قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، ونستدل عليه بهذه الآية؛ بأن الجملة جاءت اسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار. * ومن فوائدها: تنزيه الله سبحانه وتعالى على ألسنة الملائكة من كل ما لا يليق به، وهو سبحانه وتعالى مُنَزَّه عن كل ما لا يليق به، ولهذا جاءت الآيات الكثيرة في نفي المماثلة عن الله ونفي النقص وإثبات الحكمة ونفي اللعب والباطل في حقه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص ٢٧]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء ١٦]، ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على كماله عز وجل وانتفاء اللعب والبطلان عن أفعاله. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام يدَّعون أنه لم يأتهم ذِكرٌ يتذكرون به، ولهذا يعترضون هذا الاعتراض يقولون: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن حِجَج الكفار حِجج مكابرة ليست مبنية على حق، فمثلًا قولهم: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ ماذا نقول لهم؟ نقول: بل عندكم ذِكرٌ من الأولين، بل عندكم ذِكرٌ أفضل الأذكار على الإطلاق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس لا يمكن أن يكون لهم استقامة إلا بكتب نازلة من السماء، حتى المشركون الكفار يقرون بهذا؛ لقولهم: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. وهذه الفائدة يشهد لها الواقع؛ فإن الأمم الذين لم تنزل عليهم الكتب تجدهم في فوضى مضطردة لا يستقيم لهم حال ولا يمشون على خط مستقيم، بخلاف أهل الكتب، بخلاف الأمم التي تنزل عليها الكتب؛ فإنها تكون مستقيمة بقدر تمسكها بهذه الكتب. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الكتب المنزلة ذكر لمن نزلت إليهم، وسبق لنا أن معنى كونها ذكرًا على وجهين ولَّا ثلاثة أوجه؟ فهي ذكر؛ أي: شرف لمن نزلت إليهم، وهي ذكر يتذكرون بها ويتعظون بها، وهي ذكر يتقربون إلى الله تعالى بها؛ لأنها أفضل أنواع الذكر. * ومن فوائد هذه الآيات: أن هؤلاء الذين ادَّعوا أنه لو كان عندهم ذكر من الأولين لكانوا عباد الله المخلصين كانوا كذبة، بدليل أنهم عندهم ذكر من الأولين ولكن كفروا به، وسبق لنا أن كفرهم به يشمل النوعين من الكفر وهما: الجهل، والاستكبار. * ومن فوائد الآيات: تهديد الكافرين؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وتهديد الكافرين لا شك أنه مطابق للحكمة؛ لأن الحجة قد قامت عليهم، وقد قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب