الباحث القرآني

﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾: استبعاد عن ذلك أي لا يرغب أحد، ﴿إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: خسرها أو جهل نفسه أو ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره والمستثنى بدل من ضمير يرغب لأنه في معنى النفي، ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾: اخترناه للرسالة، ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾: وهذه حجة وبيان لقوله ”ومن يرغب“، ﴿إذ قالَ﴾، ظرف لاصطفينا أو بإضمار اذكر كأنه قال: اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى، ﴿لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾: استقم على الإسلام أو أخلص العمل لله أو أسلم نفسك إلى الله وفوض أمرك إليه، قال ابن عباس - رضى الله عهما -: حقق ذلك حيث لم يستعن بغير الله حين ألقي في النار، ﴿قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ ووَصّى بِها﴾: بالملة أو كلمة الإخلاص، ﴿إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾، أي وصى هو أيضًا بنيه، ﴿يا بَنِيَّ﴾، على إضمار القول أو متعلق بوصى لأنه نوع من القول، ﴿إنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾: دين الإسلام، ﴿فَلاَ تَمُوتُن إلا وأنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، أي: داوموا على الإسلام حتى لا يصادفكم الموت إلا عليه، ﴿أمْ كُنتمْ شُهَداءَ﴾، منقطعة والهمزة للإنكار أي: ما كنتم حاضرين، وهذا رد على اليهود حيث قالوا للنبيﷺ ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية، ﴿إذ حَصرَ يَعْقُوبَ الَموْتُ﴾، تم الكلام ثم ابتدأ بقوله: ﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ﴾، كأنه قال: اذكر ذلك الوقت حتى لا تدعى إليه اليهودية أو متعلق بقالوا نعبد، ﴿ما تَعبدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا﴾، نصبه على البدل من إله آبائك وإسماعيل عمه فهو من التغليب، ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، حال من معمول نعبد، ﴿تِلكَ﴾، أي: إبراهيم ويعقوب وبنوهما، ﴿أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾: مضت، ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾: من العمل، ﴿ولَكُم﴾: يا معشر اليهود، ﴿مّا كَسَبتمْ﴾، أي: انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، ﴿ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: لا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم، ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾، قالت اليهود للمؤمنين: كونوا على ديننا فهو الحق، وقالت النصارى مثله، ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾، أي: نكون أهل ملته، أو نتبع ملته، ﴿حَنيفًا﴾: مائلًا عن الباطل إلى الحق حال عن إبراهيم، ﴿وما كانَ مِنَ الُمشْرِكِينَ﴾، وهذا تعريض للمخاطبين، ﴿قُولُوا﴾: أيها المؤمنون، ﴿آمَنّا بِاللهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾: القرآن، ﴿وما أُنزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾: أولاد يعقوب وفيهم الأنبياء، ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾، أفردهما بحكم أبلغ لأن النزاع فيهما، ﴿وما أوتِيَ النَّبيُّونَ﴾: المذكورون وغيرهم، ﴿مِن ربهِمْ لاَ نفَرقُ بَيْنَ أحَدٍ منْهُمْ﴾: كاليهود يَكفر ببعض ويؤمن ببعض واحد بحسب الوضع يستوى فيه المفرد والجمع والمذكر والمؤنث، ﴿ونَحْنُ لَهُ﴾: لله، ﴿مُسْلِمُون﴾: مخلصون منقادون، ﴿فَإنْ آمَنُوا﴾، أي: أهل الكتاب، ﴿بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾، المثل صلة والباء زائدة أي: مثل إيمانكم بالمذكور، أو هو من باب التعجيز إذ لا مثل لدين الإسلام نحو قوله تعالي: ”فأتوا بسورة من مثله“ [البقرة: ٢٣]، ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ﴿وإن تَوَلوْا﴾: أعرضوا عن الإيمان، ﴿فَإنما همْ في شِقاقٍ﴾: خلاف ونزاع، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾، تسكين للمؤمنين ووعد بالحفظ والنصرة، ﴿وهُوَ السمِيع العَلِيم﴾، من تمام الوعد والوعيد لا في طلب حق، ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾، من تتمة المقول أي: قولوا التزمنا دين الله، أو صبغنا الله صبغته وهي فطرة الله فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغ حلية المصبوغ، نقل أن النصارى يغمسون أولادهم في ماء أصفر ويقولون: هو تطهير لهم وبه يحق نصرانيتهم فيكون للمشاكلة، ونقل أن بني إسرائيل قالوا لموسى: هل يصبغ ربك؟ فناداه ربه أن قل نعم أنا أصبغ الألوان وأنزل الله على نبيه: ”صبغة الله“ ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾: لا صبغة أحسن من صبغته، ﴿ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾: مطيعون لا نشرك به كشرككم عطف على آمنا، ﴿قلْ﴾: يا محمد لأهل الكتاب، ﴿أتُحاجُّونَنا﴾: أتجادلوننا، ﴿في اللهِ﴾، في دين الله وأمره حيث قالوا الأنبياء منا فنحن أولى بالله منكم، ﴿وهُوَ ربنا ورّبكُمْ﴾: لا اختصاص له بقوم دون قوم، ﴿ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾: لكل جزاء عمله فليس ببعيد أن يكرمنا الله تعالى، ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾: موحدون، أي: لنا هذا المزيد دونكم، ﴿أمْ تَقُولُونَ﴾، أم منقطعة والهمزة للإنكار، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللهُ﴾، ”ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا“ [آل عمران: ٦٧]، ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾، يقرأون في التوراة أن الدين الإسلام وأن هؤلاء الأنبياء برآء من اليهودية والنصرانية، فشهد الله بذلك فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك، ﴿وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾، وعيد لهم، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، كرر مبالغة في الزجر عما في الطباع من الاتكال بالأشراف من الآباء، قيل: الخطاب فيما سبق لأهل الكتاب وفي الآية لنا، وقيل: المراد بالأمة في الأول: الأنبياء وفي الثاني: أسلاف أهل الكتاب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب